سلسة المقالات الثلاثة التي نشرتها الاستاذة آن الكندي حول ضرورة وجود مراكز لدعم القرار بالدولة ، مقالات في اعتقادي بالغة الأهمية ، و كنت اتمنى حقيقة ان يتم بحثها و مناقشتها على اعلى المستويات الممكنة . مع الاسف ان مقالاتها المهمة مثل مقالات و بحوث عديدة التي تعد و تنشر تذهب ادراج الرياح ، و لعل ذلك قد يعطينا صورة عن أسباب الأزمات العديدة التي نعيشها كما تعيشها معظم ان لم يكن كل الدول في منطقتنا العربية.
و منذ انشاء اول معهد الذي اصبح نواة للدراسات الاستراتيجية في العالم المتقدم و كان ذلك في عام 1831 عندما قام الدوق ويلنجتون بتأسيس اول معهد و هو المعهد الملكي للخدمات الموحّدة (Royal United Services Institute)، وأصبح المعهد الذي أنشئه الدوق ويلنغتون – بطل معركة واترالو المشهورة في بلجيكا و التي شهدت هزيمة نابليون ، و كان أول مركز أبحاث أمني-دفاعي في تاريخ العالم و تبعته معاهد و مراكز مختلفة في كافة المجالات . انشاء المعهد كان لشعوره ان تعقّد وسرعة تطوّر القضايا الأمنية، في بداية القرن التاسع عشر، حيث أصبحت الوسائل التقليدية غير الاحترافية، للتخطيط العسكري، والتعامل مع المستجدات الأمنية، سببا في تراجع النفوذ البريطاني، وأدرك الدوق أنّ هناك حاجة لإجراء تغيير نوعي في وسائل صنع القرارات العسكرية.
نحن الان نعيش في عالم اكثر تعقدا . و عمان دخلت القرن العشرين في ثلثه الأخير دون المرور في تجربة القرنين السابقين و بالتالي لم تكن تمتلك تجارب متراكمة . و كان ممكنا لها ان تستعين بتجارب الدول الاخرى التي سبقتنا و التي لم تكن تمتلك اية أموال او ثروات مثل تلك التي توفرت لنا و مع ذلك تمكنت ان تتقدم و بشكل مذهل و من ضمن أسباب ذلك حشد كل العقول المتوفرة اضافة الى الاستعانة بالخبرات العالمية لبناء قواها الذاتية و ايضا بسبب قدرتها على انشاء مراكز للفكر الاستراتيجي في كل الحقول و تجنب اتخاذ قرارات فردية احادية مثل تلك التي حصلت عندنا . و لهذا السبب سبب إصابة شرائح عديدة عندنا بنوع من الشعور بالخيبة .لم تكن تلك الشرائح مهيأة لما نزل عليها . و مثلما نلاحظ من وسائل التواصل الاجتماعي ان الشعور بالاحباط راح يتنامى لديها و يتراكم .
ان مراكز الدراسات الاستراتيجية المختلفة التي اشارت اليها الاستاذة أن الكندي تلعب دوراً بارزاً من خلال وضع الخيارات والافتراضات والاقتراحات والحلول أمام صاحب القرار ناهيك عن تأهيل وتدريب وتخريج الخبرات الاستراتيجية المستقبلية للعمل في تلك المراكز أو غيرها من القطاعات من تعليمية و احتماعية و اقتصادية و تنويع مصادر الدخل جذب الاستثمارات المحلية و العالمية بصورة أكبر بصورة مطردة مما هو حاصل الآن، و كل ذلك لا يتأتى إلا من خلال وجود مركز أو مراكز للدراسات الاستراتيجية تقوم بإعداد استراتيجيات سكانية وإسكانية واقتصادية وأمنية وسياسية وسياحية واجتماعية وثقافية وزراعية واستثمارية، بالإضافة إلى استراتيجيات الأمن المائي والغذائي.. ناهيك عما يحتاجه التعليم والصحة من تخطيط.. ليس هذا فقط بل إن تعدد مصادر الدخل والمستقبل المنظور والبعيد فيما يتعلق بالحراك الوطني على المستوى المحلي والإقليمي والدولي يحتاج إلى رؤية واضحة تحددها دراسات استراتيجية مرنة قابلة للمد والجزر حسب متطلبات المرحلة واستحقاقاتها والمستجدات وإرهاصاتها..
من أهم أدوار مراكز الدراسات الاستراتيجية هو تحويل الدراسات والبحوث والرؤى إلى أطر قابلة للتطبيق والتنفيذ تتسم بالاتساق والتكامل لأن ذلك يساهم في تعظيم دور الدولة والمواطن في عملية التنمية مع أخذ الدروس من الوضع الحالي الذي تعتمد فيه التنمية على قوة العمل الوافدة مع معاناة عدد كبير من شباب الوطن من البطالة وقلة فرص العمل.
ان مراكز الدراسات الاستراتيجية عند قيامها سوف تصبح منوطة بتحديث الأنظمة والقوانين ودراسة إعادة هيكلة قطاعات عديدة عامة وخاصة بما يتواكب مع آخر المستجدات التي أفرزتها الثورة العلمية والتقنية التي تجتاح العالم والتي أصبح لها دور فاعل في اختصار الوقت وتفعيل الانجاز، والتخلص من البيروقراطية المعطلة لأن تلك التحولات أصبحت من أهم سمات الإدارة الحديثة التي تتسم بالكفاءة والإنتاجية لأنها تستند في أدائها على مقومات علمية عمادها الاتقان من حيث التدريب والاستيعاب من خلال الممارسة وليس التنظير او من خلال القرارات الفردية و في داخل الغرفة المنغلقلة و المنعزلة
نعم إن وجود مراكز الدراسات الاستراتيجية المؤهلة وليست الفردية يعزز المكاسب ويضيف إليها وذلك أن تلك المراكز تشكل نافذة وعيناً بصيرة تسابق الزمن، وتتناغم مع المستجدات عند وضع التصورات والاحتمالات والحلول معتمدة على دراسة واقع الحال والمستجدات التي تمسه وذلك على مستوى الساحة المحلية والإقليمية والدولية فكلها حلقات متواصلة تؤثر في بعضها البعض..
لذا فإن مهمة تلك المراكز تقوم على ربط الأحداث السابقة والقائمة والمحتملة من خلال الاستقراء والتحليل والاستنتاج وأخذ العبرة والدروس من الماضي والاستفادة من العبر والدروس التي أفرزتها تجارب الآخرين فخير الناس من اتعظ بغيره، بالاضافة إلى دراسة واقع الحال وتحديد سلبياته وإيجابياته والعمل على تعظيم الإيجابيات والحد من السلبيات، واستشراف المستقبل والاستعداد له بخطط واستراتيجيات مرنة تستجيب للمتغيرات والمستجدات.
إننا كغيرنا من الدول النامية لازلنا نعتمد في الاستقراء والاستنتاج في بعض الأمور على ما تصدره مراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية أو المحللون الدوليون والتي قد تكون صحيحة للبلدان التي صدرت فيها لكنها قد تكون مغلوطة عند تطبيقها على بلدان أو بيئات أخرى ناهيك عن أن أغلب الدراسات الاستراتيجية التي تصدر عن الغير تأخذ بعين الاعتبار بصورة رئيسية مصلحة بلدانها حتى وإن كُتبت للآخرين بينما مراكز الخبرة الوطنية سوف تكون أقرب للصواب خصوصاً إذا اعتمدت على أفكار وآراء خبرات وطنية مخلصة.
إن وجود مركز وطني او مراكز للدراسات الاستراتيجية يعني تفعيل كثير من القطاعات التي تتوافر فيها خبرات وطنية تعمل بأقل من طاقتها الفعلية؛ وذلك من خلال التعاون والتنسيق مع الخبرات المتوفرة في الجامعات ومراكز البحوث والصناعات الوطنية والقطاعات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، والاجتماعية والفكرية والثقافية والعلمية والصحية، وتعزيز ذلك من خلال الاتصال والتواصل مع المراكز والأوساط المتخصصة على المستوى الإقليمي والدولي.
إن مراكز الدراسات الاستراتيجية تلعب دوراً بارزاً من خلال وضع الخيارات والافتراضات والاقتراحات والحلول أمام صاحب القرار ناهيك عن تأهيل وتدريب وتخريج الخبرات الاستراتيجية المستقبلية للعمل في تلك المراكز أو غيرها من القطاعات التي تحتاج إلى ذوي الخبرة والكفاءة والدراية بمعطيات العصر ومتغيراته. كما أن تلك المراكز يمكن أن تعمل من خلال دوائر متداخلة ومتكاملة مثل الدائرة الوطنية والخليجية والإقليمية والإسلامية والدولية بحيث تصبح تلك الدوائر متناغمة في تعظيم مصلحة الوطن أو ضمان مستقبله واستقراره وأمنه وسط هذا الطوفان الجارف من عدم الاستقرار الأمني الإقليمي فى هذا الإطار، تمثل الدراسات الاستراتيجية نمطاً متميزاً من التفكير والتحليل. فهى ليست مجرد دراسة “بينية” أى تربط بين نتائج عدد من العلوم كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ، والعلوم العسكرية.وإنما تتجاوز ذلك، فهى فى المقام الأول دراسة تطبيقية تبحث فى العلاقات بين الوسائل والغايات. بعبارة أخرى، فإن التحليل الاستراتيجي هو ذلك النمط من التفكير الذى يسعى لتحديد الوسائل والآليات والأدوات المتعلقة بتحقيق أهداف الدولة أو المنظمة. ومن ثم فإن دور المفكر الاستراتيجى هم متمم ولاحق لدور رجل الدولة أو صانع القرار الذى يقوم بتحديد الأهداف الوطنية للدولة أو تلك الخاصة بالمنظمة. ثم يقوم المفكرون الاستراتيجيون ببحث الوسائل المختلفة لتحقيق هذه الأهداف ، وشروط استخدام كل منها، وعناصر الكسب أو الخسارة المتضمنة فى استخدامها ، واقتراح أو ترجيح أفضل هذه الوسائل. ولكن القرار الأخير فيما يتعلق باستخدام أى منها يعود مرة أخرى لرجل الدولة أو صانع القرار.
تحية للأستاذة آن و جرأتها في قدرتها على الابحار في وسط مياه متلاطمة و أأمل الاستفادة مما طرحتها من أفكار اصبح الأخذ بها في غاية الأهمية .
املي و رجائي ان وسائل العصر ، مضافة الى شحنة القلق التي تدعو فئات كثيرة الى عدم الرضى عما ترى ، و تحفرها الى ان تفتش في كل النواحي الى بدائل تومئ الى مستقبل أفضل ، مضافة الى رصيد انساني غني، ان تكون قادرة كلها في مستقبل غير بعيد على ان تتحول الى طاقة إيجابية تصارع اليأس بالامل . و لا تصرع الأمل باليأس.