جلالته والتاريخ

التاريخ معلم الملوك والسلاطين. حكمة مأثورة كررها سرجي بليخانوف في كتابه مصلح على العرش محاولا شرح العلاقة الوطيدة بين صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد والأهمية التي يشكلها التاريخ في فكر جلالته. قرأت كتاب السفير والصحفي والكاتب بليخانوف محاولة البحث عن شخص جلالة السلطان آخذه بنصيحة أحد خبراء التاريخ العمانيين بقراءته ذلك انه غطى نوعا ما الزاوية التي ابحث عنها. من منا لا يحب التعرف عن قرب لشخصية جلالة السلطان؟، و من منا من لم يحاول تفسير بعض القرارات السلطانية ذات البعد الاستراتيجي محاولا فهم ابعاده؟.

أكتب في يوليو التاسع والأربعين ومثلما لدي ولدى جيلي اعتزاز بالأسس الثابتة لسياسة جلالة السلطان البعيدة عن الهوى والتأثيرات الوقتية والتي تثبت نفسها دائما. كأن يكتب التاريخ للعماني يوما نقاء يديه من دماء اهله وجيرانه اليمنيين، في الوقت نفسه تغالبني تساؤلات عديدة عن تاريخ تأسيس النهضة العمانية. تمنيت أن أجد مصدرا عمانيا جامعا لكل ما كتب حاكيا كيف بُنيت عمان و حرب في جنوبها ممن ضُللوا رشدهم واحتوتهم السلطنة بالتسامح و توفير سبل العيش الكريم المحرومين منه فالعقائد العدوانية لا تهزم بالحلول العسكرية وحدها فكيف كسب جلالته محبة الناس آسراَ قلوبهم وعقولهم؟. يبقى الأول من ديسمبر 1975 الميلاد التنموي الفعلي للسلطنة بعد أن استتب الامن بتوقف القتال، وخروج باقي الفصائل من وادي شيرشيتي. أعلن جلالته احتفالا بالنصر في خطابه التاريخي في 11 ديسمبر 1975 صادرا عفوه عن 200 جندي يمني تبنوا الماركسية كانوا ضمن المحاصرين فالنصر بالرأفة لا بالقتل.

فهم ملامح شخصية جلالته وانفتاحه الفكري تتجلى بشكل أوضح بمعرفة مسيرته التعليمية. يسرد بليخانوف استمرار المرحلة التعليمة الخارجية لجلالته منذ 1958 حيث بداها بالإعداد الدراسي في مدينة بري بالمملكة المتحدة تمهيدا للالتحاق بسانت هيرست العسكرية  في 1960 لمدة عامين والتي تتخذ من مقولة “اخدم لتتزعم” شعارا لها.  ثم تبعتها خدمة عسكرية في الفوج الاسكتلندي المرابط في المانيا لمدة سبعة اشهر، و بعد انتهاء المدة رجع جلالته الى بريطانيا.  كان لبعد نظر والده السلطان سعيد بن تيمور-رحمه الله- أن الوقت حان ليرى جلالته العالم باختلافاته فذهب في رحلة حول العالم استمرت ثلاثة اشهر ليعود للوطن في عام 1964 داخلا مرحلة جديدة من الاطلاع المعمق لكتب التاريخ اتاحته له الظروف فأكسبته الحكمة المأثورة إن التاريخ معلم الملوك والسلاطين.

قلما نجد في تاريخ الشرق الأوسط تلك النظرة الفاحصة لموروث الماضي ، والفكر الناقد Critical thinking  الذي يظهر في حديث جلالته بشكل عام خاصة ذلك الموجه لطلبة جامعة السلطان قابوس في عام 2000 موجها أن لا تؤخذ الروايات التاريخية كما هي دون تفكر و تدبر و تمحيص. تلك هي ملمح واحد لعلاقة جلالته مع التاريخ غير أن المتتبع لسياسة جلالته والعارف بالتاريخ العماني يستخلص ملامح عديدة لسياسته منبعها الاستفادة من عبر التاريخ.

بحب وامتنان نذكر جمعيا الثالث والعشرين من يوليو 1970 ومعه تلهف لمعرفة تفاصيل السبعينات والثمانيات والتسعينات ثلاثة عقود هامة في تأسيس النهضة العمانية غير أن ليس هناك من المصادر التاريخية الجامعة والموثقة ما يعيننا على فهم ما جرى لنفهم حاضر اليوم ومستقبل الغد. كٌلا يروي التاريخ من زاويته ونظرته، وتعدد مصادر التوثيق التاريخية تثري وجهات النظر، لكنها لا تغني ابدا عن وجهة نظر صانعها، فهل يحظى هذا الالتماس بقبول مولانا؟. ما هي التحديات وكيف تم التغلب عليها؟ كيف أسس جلالته لسياسته الخارجية المتفردة؟ كيف قاد البلاد والظروف السياسية والعسكرية تعصف بالشرق الأوسط كانت ومازالت؟ كيف استطاع جلالته أن يبقى ثابتا، وغيره لا يرى ما راه في كامب ديفيد والحرب الإيرانية العراقية؟ كيف أن التسامح أساس والانتقام ليس من شيم الأقوياء؟ سياسة أساسها الإنسانية والرحمة والرأفة مع من أساء، يخاطب شعبه دوما “بالعزيز”. تبقى الحقيقة رمادية يكسوها الظلام إن لم ينيرها الفكر النير لجلالته.

إن دور الوسيط المؤتمن الذي تلعبه السلطنة اليوم لم يكن ليُبنى في يوم وليلة بل مواقف ثابتة تطلب بعض منها العوم ضد التيار اثبت الأيام صحة مواقف السلطنة. مكنت هذه المبادئ السلطنة من استمرار علاقاتها مع ايران بالرغم من تبدل نظام الحكم، واحتفظت بقنوات الحوار حتى في خضم الحرب الإيرانية العراقية، فالحوار هو الأساس ذلك ان ما يجري في الدول شأن داخلي. وما حرب الناقلات التي نراها اليوم بجديدة فقد اقترح جلالته عقب هجمات بحرية جوية في 1979 مشروعا لحماية الطرق المائية الا أنها فكرة لم يؤديها الا الرئيس الراحل أنور السادات، وها هي احداث اليوم من مناوشات بحرية نفطية تعيد نفسها. فما اشبه الامس باليوم فبعد أن شقت السلطنة طريقها في وعورة عواقب اتفاقية كامب ديفيد تأتي صفقة القرن الجديدة لتسبق السلطنة بخطواتها الاحترازية لتكن هي مركز ثقل في شرق أوسط يعاد تشكيله. و هل هناك رواية للتاريخ اكثر موثوقية من رواية صانعه؟!.

Related posts

كيف تكون متواضعا؟

عش مغامراً

Post-coronavirus: The age of the unprecedented