أين حكومتنا الإلكترونية؟ (1)

#أين_حكومتنا_الإلكترونية

دعونا اليوم لا نتحدث عن القطاعات الاقتصادية الخمسة الواعدة والموعودة ونتكلم بلغة العصر على الأقل مواكبة للحداثة ومحاولة لملامسة طموح الشباب العماني الذي أرهقه تواضع الطموح وخنقه حصار النظرة التقليدية، في زمن انطلق فيه العالم لخضم نقلة اقتصادية رابعة أساسها ثورة تكنولوجية ، ما زلنا نحن اليوم نتحدث عن عوائق وتحديات الحكومة الإلكترونية في محاولة للوصول لمفهوم لها نبصر به الواقع ونلامس الحقيقة.

قبل الحديث عن التحول الإلكتروني كان يجب أن تتم الإجابة عن ما الذي سنحوله؟ إن تحويل الاجراءات والآليات الحالية تعني «البيروقراطية الإلكترونية» حيث ننقل مفهوم العمل الورقي ليتم تنفيذه بشكل إلكتروني، بينما التحول الإلكتروني هو فرصة لإجراء تحسينات إدارية –على مستوى الفكر والغاية والمنطق والأسلوب- فهناك أبعاد أعمق من مجرد «تبسيط الاجراءات». فتبسيط الاجراءات هي محاولة لحلحلة العقد لانسياب الاجراءات التي سرعان ما تصطدم بصخرة العقدة. اجراء مؤقت لا يحل المشاكل الهيكلية التي أدت إلى بطء الاجراءات الحكومية وفقدانها القدرة على التعامل مع المستجدات إلا بردود أفعال متأخرة.

محاولة تحسين ما هو موجود شبيه بمحاولة إصلاح ماكينة التسعينات لتعمل في الألفية الثالثة، ففي النهاية ستوصلنا إلى مبتغانا لكننا سنصل متأخرين وبثمن باهظ. نحن بحاجة إلى ماكينة تعمل بفعالية تكنولوجيا اليوم، إن ضخ الدماء الشابة يجب أن يكون من الفصيلة المناسبة. إن الحكومة الإلكترونية توفر الوسيلة التي تفضي إلى إلغاء المركزية وتأسيس هياكل إدارية جديدة ليست لها علاقة بالهياكل المعمول بها حاليا، وإرساء مفاهيم إدارية عصرية تحاكي المعمول بها في العالم المتقدم. الحكومة الإلكترونية تعيد الصياغة التفاعلية مع الجمهور وتقدم طرق تعتمد مفهوم المنطق لتقديم الخدمات ، حكومة تصل إليك لا انت من تصل إليها فذلك زمان ولى وانقضى.

وحتى نجيب على تساؤلات بدأت تتشكل في ذهنك وانت تقرأ هذه السطور أين نحن من هذا ، ولماذا تأخرنا في تحولنا الإلكتروني؟، دعنا نحاول أولا أن نجيب ما هو نموذج العمل الحكومي (Business model ) للقطاع الحكومي العماني؟ إجابة كهذا سؤال لا تتم إلا بانتهاج أسلوب علمي في تمحيص المشكلة للوقوف على جذور المشكلة وليس عوارضها rout cause analysis وبعيدا عن آراء شخصية قد تصيب وقد تخطيء.

نموذج العمل الحكومي يقوم على مفهوم تقديم الخدمات من خلال علاقة مباشرة بين طرفي المعاملة (مقدم الخدمة – طالب الخدمة)، كما ينطلق نموذج العمل من المنظور السياسي والاقتصادي للدولة ويعكس اقتصادها الريعي، وإصرارها على تقديم جميع الخدمات للمواطن على الرغم من توافر أساسيات العيش الكريم، وهي الراعية الرسمية للقطاع الخاص وهي من تنافسه بإنشاء شركات حكومية . لكننا اليوم وصلنا إلى مفترق الطريق للانخفاض الحاد في إيرادات الدولة ،وتغيرات هيكلية في أسواق النفط العالمية معلنة توديع أسعار المائة دولار للبرميل، وفي ظل تزايد مخرجات التعليم ، فلا بد من مخرج ولا يتأتى ذلك إلا من خلال منظور جديد يُبنى على مكتسبات النهضة ويتنقل بها نقلة نوعيه نحو اقتصاد رقمي فلا مجال لتغير تدريجي آن أوان غربلة الأمور …ليذهب الطالح ويبقى الصالح.

ما أردت إيصاله أن الحكومة الإلكترونية ليست غاية هي نموذج عمل في المقام الأول ،ومن المؤسف أن لا تتضمن الاستراتيجية الرقمية للسلطنة التطوير الإداري كمرتكز أساسي يخدمه التحول الإلكتروني كما رأينه في استراتيجيات دول عديدة أقربها على سبيل المثال دولة قطر ، ومملكة البحرين التي عرضت استراتيجيتها بتفاصيلها ولم تكتفي الملخص على مواقعها الإلكترونية، إلا أن بارقة الأمل الوحيدة هنا في السلطنة لتحول الإلكتروني هي خطة تحول إلكتروني واضحة المعالم والخطوات ومحددة بإطار تنفيذي زمني نشرت في موقع هيئة تقنية المعلومات التي تم إنشاؤها في عام 2006 وأطلقت خطة التحول في 2012 بقرار من مجلس الوزراء على أن تنتهي عملية التحول الإلكتروني بنهاية عام 2015، قد نتفاجأ إذا سألنا المسؤولين عن تلك الخطة حيث أظن أننا لن نحصل على إجابات موحدة عن طبيعتها وأهدافها وما أتم إنجازه…!!!

ها نحن نوشك على نهاية العام 2016 ولم تحقق الخطة التنفيذية أهدافها وهو أيضا العام العاشر منذ إنشاء الهيئة وهوما وضعني في حيرة من أمري عندما تراجع ترتيب السلطنة عشر مراتب في عام واحد في تقرير تكنولوجيا المعلومات العالمي لعام 2016 –الذي مر مرور الكرام-، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي ومعهد «إنسياد» الأوروبي وجامعة كورنيل الأمريكية ليصل إلى المرتبة 52 من أصل 139 دولة بعد ما كانت في المرتبة 42 في عام 2015 وثبات تقيمها عند المرتبة 40 لعامين متوالين( 2014- 2013) والعالم يركض من حولنا، وازدادت حيرتي عندما بحثت عن خطة للتحول الإلكتروني فوجدت إنها وضعت بعد 7 سنوات منذ إنشاء كيان مسؤول عن قطاع تقنية المعلومات كفل له المرسوم السلطاني (522006) صلاحيات واسعة واستقلالية إدارية ومالية، ورصدت له الخطة الخمسية الثامنة (2011-2015) مبالغ كبيرة لتمويله، فأين الخلل؟

إن نجاعة الحلول لا تأتي إلا بتشخيص صحيح لجذر المشكلة ،وليس الالتفاف حولها والبحث عن حلول احتفالية تحت عنوان –لقد انجزنا-، وما هذا المقال إلا محاولة لتحديد حجم التحدي تمهيدا للوصول إلى حلول نواجه بها هذا التحدي.

Related posts

التخطيط ما بين 1970 و 2040

Beyond sustainability clichés

Towards Sustainable Engagement

3 comments

Moosa Al kindi 26/10/2016 - 10:02 pm
لا تقدم في ظل وجود موظفين تنقصهم الامانة وحس المسؤولية .. واستشعار مراقبة الله لهم قبل كل شي ء دمتم بود Moosa Alkindi
Moosa Al kindi 26/10/2016 - 10:11 pm
لا تقدم في ظل وجود موظفين تنقصهم الامانة وحس المسؤولية .. واستشعار مراقبة الله لهم قبل كل شي ء دمتم بود Moosa AL kindi
مُسرّعات التحول الرقمي | Ann ALKindi 14/12/2020 - 3:00 am
[…] معيقات وصولنا إلى الحكومة الإلكترونية في مقال بعنوان أين حكومتنا الإلكترونية؟ (منشور في جريدة عمان في […]
Add Comment