يدور رأسي من المنظر الذي أراه حين أوصل بناتي الى المدرسة جمعٌ غفير من العمالة الوافدة ينتظرون أبنائنا عند خروجهم من المدرسة او لإيصالهم في الصباح الباكر. المشهد لا يقف هنا بل هناك ما هو مؤلم مفزع حين ترى السائق الرجل الغريب يمسك بيد البنت لتركب معه السيارة وحيدة من وإلى البيت. اذكر في مرة من المرات لم استطع احتمال المنظر لبنت صغيرة جدا اخذها السائق حتى انها وقفت بجانبه في السيارة، فتبعتهم –رغم امتعاض بناتي لتدخلي فيما لا يعنيني- الى ان وصلت السيارة البيت. دقيت جرس البيت والمفاجأة خرج لي الاب –كان في البيت ينتظر السائق يوصل له أولاده-. توقعت منه هجوما حين اخبرته انني لم احتمل ترك ابنته وحيده مع رجل غريب فقلت له على الأقل ابعث معها عاملة المنزل، الا انه يبدو تفهم فداحة خطأه.
كل يوم يتكرر هذا المنظر سوى لصبي وحيد او بنت وحيدة يذهبان مع رجل غريب أو مجموعة من الأطفال مع السائق يعتقد ابائهم انهم يحمون بعضهم فأراه ينهرهم حين يغالبهم النوم اذا تأخروا في النزول صباحا. أتساءل : دور من توعية هؤلاء الإباء والأمهات، هل هي الحكومة؟!، هل نتنظر منها مثلا تدشين حملة #اولادي_مسؤوليتي؟!، ام مؤسسات المجتمع المدني؟!، من بالضبط؟. نسيت حلا اخر معتاد القانون الرادع فلربما أيضا ننتظر ان تسن قوانين تحمي أطفالنا من اهمالنا؟، من يعلم قد يكون حان وقتها. مشغولون لا يجدون الوقت لتوصيل أبنائهم فليبحثوا عن حلول أكثر امنا مثلا أن يكون السائق هو نفسه عاملة المنزل مثلما أرى في بعض الأحيان او أن يبعثوا عاملة المنزل معهم، او باص المدرسة-الذي اصبح مراقبا بالتكنولوجيا-. هو الخطأ نفسه ولا يقل فداحة إن سمحت لابنتك او ابنك ان يكونوا مع سائق الباص في الفجر او الليل وحيدين دون رقابة فليست هذه أخطاء المرفهين وحدهم بقدر ما هو وعي وتحمل للمسؤولية.
اعترف انه ليس من السهل الالتزام اليومي بتوصيل ابنائك خاصة اذا كنت مرتبط بدوام الا ان حجم ما يتعلمه ابنائك خلال التوصيل استثمار عظيم للوقت. تتحدث اليهم عن برنامجهم اليومي عن كيفية تنظيم الوقت يستمعون الى برامج هامة في الإذاعة المحلية و العالمية او ان تشرح لهم معنى آيه كريمة-ان صادفك قارئ جيد في الإذاعة-، فهناك ايضا حاجة الى برنامج صباحي مخصص فقط لطلبة المدراس لإرسال رسائل هامة لهم منها التنبيه عن التنمر و الابتزاز الالكتروني ،و خطورة المخدرات و كيفية التعامل مع التحرش الجنسي، و ما الى اخره من آفات فاقمتها الحداثة. تبقى الرسالة الهامة العالقة في اذهانهم ان ابي او امي استقطعا جزء من وقتيهما لإيصالنا للمدرسة لأهمية العلم وبناء المستقبل.
لا ادعي المثالية فكم مرة لجأت فيها الى من يوصل بناتي المدرسة الا ان اول خياراتي كانت اهلي وناسي لا العمالة. الحل البسيط الذي اسمعه طبعا يا آن شوفي السائق، لما لا يكون لك سائق؟!، بينما آن تنظر الى تعزيز تكافل الاسر وترابطها، وزرع إحساس بالمسؤولية في جيل يصغرها سنا. كما أردت حين تبعت البنت الى بيتها ان تصل الرسالة الى بناتي، حتى يعرفن الفرق بين عدم التدخل في شؤون الغير-وهي فضيلة نادرة- وبين الامر بالمعروف وعدم السكوت على الخطأ.
افهم أن المجتمع يمر بمتغيرات عديدة لكن ما لم تكن الاسرة أحد أولوياته فلمن نبني مستقبل عمان؟!، وما هو الجيل الذي نعده؟ هل قمنا بدورنا قبل ان تكثر شكوانا مطالبين بهذا وذاك. فلتكن أصواتنا عالية بالإصلاح إن كنا نحن مصلحون أولا في بيوتنا.
كل عام وانتم بخير