التحول الرقمي النوعي

“وسنحافظُ على مصالحِنا الوطنيةِ باعتبارِها أهمَّ ثوابتِ المرحلةِ القادمةِ التي حددتْ
مساراتِها وأهدافـَها “رؤيةُ عُمان 2040” سعيًا إلى إحداثِ تحولاتٍ نوعيةٍ في كافة مجالاتِ الحياةِ، مجسدةً الإرادةَ الوطنيةَ الجامعة.

جلالة السلطان هيثم بن طارق

نحن مقبلون على تحول نوعي على كافة الأصعدة يقوده قطار التحول الرقمي. تتعدد تعاريف التحول الرقمي حتى بين المختصين أنفسهم، فهل يعني التحول الرقمي الثورة الرابعة التي أيضا يصعب تسميتها بالثورة الصناعية. أم التحول الرقمي أن تصيب الرقمنة كل مناحي الحياة ويتداخل العالم الواقعي مع الافتراضي كما بدأ يُجرب منذ زمن في مختبرات مايكروسفوت. ماذا هو التحول الرقمي بالنسبة لك؟ حتى تعرف ما الذي يجري حولك.

هناك أسس ومكونات، وممكنات وأدوات معروفة للتحول الرقمي، ومهما اختلفت درجات النضج المؤسسي للدول والجاهزية للتحول تبقى أسسه واحده. الإخفاق يكون عند فقدان هذه الأسس، ومنها عدم وجود استراتيجية متكاملة شاملة للتحول الإداري ومن ثم الرقمي مبنية على توجه واضح ومحدد يعمل الجميع على تحقيقه بلا لبس. هل نريد تحقيق التحول الرقمي لرفع الكفاءة أم للاقتصاد الرقمي، أم لدواعي أمنية، أم لتمكين الابتكار أم الرقمنة لمجرد الرقمنة وتحويل إجراءات اليوم إلى خدمات الإلكترونية؟. تقارير ودراسات كثيرة تبحث في تحديات التحول الرقمي وتعطي الكثير من الدروس المستفادة، إلا أن الأسس لا تخرج عن ثلاثة أعمدة معروفة يقوم عليها العمل المؤسسي، وهي: المورد البشري وهو الأساس، والأنظمة والقوانين ثانيًا، والهياكل الإدارية ثالثًا. القيادة هي من تحدد الأنظمة والقوانين والهياكل الإدارية وأسلوب الإدارة، فتبقى هي الأساس والراعي والممكن.

خمسة مكونات أساسية للتحول الرقمي تدور حولها الممكنات والآليات، والقصور فيها يعد تحديات يمكن التغلب عليها متى توفرت الإرادة. الاستراتيجية المتكاملة الشاملة أولًا، وثانيًا القيادة الواعية لتوجهات التكنولوجيا والداعمة والملتزمة بسرعة التغيير. العنصر الثالث توفر الموارد البشرية المتمكنة في التقنية وإدارة التغيير، لذا يشكل الاستثمار فيها أولوية. خلق بيئة تساند التحول الرقمي وهي العنصر الرابع، وتعد من أكبر معيقي التحول الرقمي، وهو دور قيادي بلا شك وله أدواته منها العمل الممنهج لدوائر إدارات التغيير. خامسًا وأخيرًا تحول رقمي للخدمات الحكومية يتمحور حول خدمة المواطن وتلبية احتياجاته، بحيث يكون المواطن هو الهدف الأول والأخير الذي يرتكز عليه في تصميم تقديم هذه الخدمات الالكترونية. وبما بأن أسس التحول الرقمي واحده، تتشابه تجارب الدول في التحول الرقمي الحكومي، وهو ما أكده تقرير ديلويت Deloitte الذي كان أحد معديه وليم William D. Eggers صاحب ثمانية كتب في التحول الرقمي الحكومي. لا شك أن التقارير والدراسات كثيرة ومتعددة إلا أن هذا التقرير المعنون برحلة التحول الرقمي الحكومي ميزه خلفية كتابيه ومنهم وليم والنظرة الكلية لعملية التحول الرقمي، وذلك دعمًا علميًا لبعض ما طرحت في هذا المقال، إضافة إلى البحث الميداني الذي أجريته مع مختصي التحول الرقمي.

أغلب الأخطاء الشائعة سابقًا في التحول الرقمي، هو الاستثمار في التقنية أكثر من التغيير المراد رقمتنه. التقنية أداة مهما كانت متطورة لا تحقق لنا التحول الرقمي، فكل يوم تظهر لنا تقنية جديدة تعتمد فيها مرونة جاهزيتنا الأساسية والإدارية والفكرية للاستفادة من هذه التقنيات. ما يعطل التغيير في كثير من المؤسسات مقدار المعرفة التقنية لدى صناع القرار مهما كانت درجاتهم الإدارية ابتداءً من المدير فما فوق. تغلبت الدول على هذا القصور بالاستثمار في البنية التحتية التعليمية ومنها إنشاء أكاديميات رقمية لرفع الوعي المعرفي الرقمي، ولبناء القدرات الرقمية الوطنية. فحين تحدد الدولة أولوياتها في كل مرحلة سيسهل على القطاع الخاص معرفة أنواع الاستثمارات المطلوبة بشفافية لإعطاء الجميع فرصة الاستثمار والإبداع في تطبيق الأفكار. نوع البنية الأساسية المعرفية التي نحتاجها هي هذه الأكاديمية التي يمكن أن تبنى عبر الشراكة بين القطاعين العام أو الخاص أو عبر برامج الأوفست (برنامج الشراكة) Offset.

ليست لدينا خيارات أخرى سوى المضي قدما في التحول الرقمي إذ انه أساس الاقتصاد الرقمي. إذا ما أردنا اقتناص فرص الثورة الصناعية الرابعة علينا أولا بقاطرة التحول الرقمي. الحكومة الالكترونية هي الجزء القديم من هذا التحول، وحتى نصل إلى الحكومة الذكية وهي مرحلة متقدمة من التحول الرقمي ينبغي أن نضع خارطة للطريق جديدة تتغلب على عقبات الأمس وتتعلم من دروسها المستفادة. ففي أي مرحلة وصل التحول الرقمي في السلطنة؟، الحقيقة أن كل جهة تختلف عن الأخرى في النضج المؤسسي الرقمي. أول مراحل التحول الرقمي هو التواجد Presence وذلك بوجود مواقع الالكترونية. وحين تقدم الخدمات الالكترونية الحكومية بتعبئة الاستمارات فتلك تسمى مرحلة التفاعل Interaction. تليها المرحلة الثالثة وتسمى التعامل Transaction وفيها يتم طلب الخدمة الكترونيا بشكل مباشر. المرحلة الرابعة وهي ما يمكن أن يقال عنها التحول الرقمي Transformation وذلك حين تترابط الجهات الحكومية دون أن يضطر المواطن إلى تعبئة بياناته في كل مرة. الحكومة الذكية هي المرحلة التي اكتمل فيها ترابط مؤسسات الدولة ولديها القدرة على الترابط الخارجي مع المؤسسات العالمية لتقديم خدمات مشتركة، منها على سبيل المثال ربط الموانئ بخطوط الملاحة العالمية. الوصول إلى مستوى الحكومة الذكية يؤهلنا أن نحقق أحد مرتكزات رؤية عمان 2040 بأن تكون حكومة استباقية. الاستباق تعني القدرة على استقراء احتياجات المجتمع والخدمات المطلوبة، وبالتالي تخلص الحكومة من دوامة إدارة الأزمات. كما أنها تصل إلى مرحلة استشراف التوجهات العالمية للتقنيات، والاستفادة منها في مراحل مبكرة. هذه هي رحلة التحول كلما تمكنت الدول من الإسراع فيها لن يتركها العالم خلفه.

يأتي هذا المقال كمدخل لمقال آخر أقدم فيه بعض المقترحات والأسئلة التي قد يسهل طرحها توجيه الفكر نحو الجوانب المهمة في عملية التحول الرقمي. كم هو سهل أن نسأل ونقول ماذا سنخسر لو لم نسرع في التحول الرقمي؟ وكم هو صعب الإجابة على هذا السؤال المؤلم.

حس المبادرة هو ما ينقصنا في هذه المرحلة إذ أن الجميع في وضع الترقب والانتظار، ليرى مدى جدية التحول على الرغم من الإجراءات الأساسية التي تم اتخاذها متمثلةً في الهياكل الإدارية والتعيينات الجديدة. علينا كسر حاجز التردد والتشكيك والمضي قدما بأفكارنا ومشاريعنا للبناء. حاجز المقاومة لا يكسر إلا بالإصرار، وتبني ثقافة الحوار، والتكتل لمصلحة البلد ترفعًا عن أي شخصنة، أو مصالح فردية ضيقة.

 

Related posts

التخطيط ما بين 1970 و 2040

Beyond sustainability clichés

Towards Sustainable Engagement