تغيرت قواعد اللعبة

مواطنة افتراضية؟! هل خطر ببالك يوما أن تقرأ عنوانا كهذا؟! . كتاب بعنوان Digital Citizenship صدر في أمريكا. اليوم هناك مشهد اجتماعي اقتصادي سياسي أمني مهني تعليمي جديد فرض نفسه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الإعلام الجديد هو الاسم الآخر لوسائل التواصل الاجتماعي Social Media جاعلا الإعلام المعروف في نمط تقليدي. لقد فرض هذا الإعلام الجديد نفسه لدرجة أنه بات من الضروري مراجعة الاستراتيجيات بكافة أنواعها. وسائل فعّالة و مؤثرة في صنع القرار السياسي والاقتصادي والذي بشكل بديهي ألقى بظلاله على الاستراتيجيات الأمنية. و كيف لا يكون ذلك وحسب إحصاءات أطلقها موقع توتير نفسه أن هناك 200 ألف حساب عماني نشط؟! أليس لهم تأثير على الرأي العام؟! اليوم تقلص العمل الميداني كثيرا لمعرفة آراء وتوجهات الرأي العام، فيكفي أن تطلق هشتاج لموضوع ما، لمعرفة ردود أفعال الرأي العام، ألا يحتاج ذلك إلى عقول استراتيجية لإدارته؟

كل هذا ويكاد المشهد الحكومي العماني غائبا عن الساحة الافتراضية، ليس لإنها ما زالت تحاول أن تصل إلى مستوى الحكومة الالكترونية، بل لأن دائرة الإعلام بالوحدات الحكومية يجب أن تستحدث قسما للإعلام الاجتماعي. هذه فقط البداية، فما هو مطلوب تثقيف الموظف والمسؤول بأهمية الإعلام الجديد وكيفية استخدامه الاستخدام الفعال. أطلقت قبل كتابة هذا المقال سؤال عبر حسابي في توتير في رأيك، هل غيّر الإعلام الجديد (الاجتماعي) قواعد اللعبة؟ و كانت إحدى الإجابات: بعض الحسابات الرسمية لا تتفاعل مع من يخاطبها إلا في حالة مدحها!.
الغريب أننا مجتمع فتي لا يحب قراءة الجرائد، ويتواصل مع العالم بهاتفه النقال، ويحس بتقدير كبير إذا ما تفاعل معه حساب أحد المواقع الحكومية في توتير أو فيس بوك. واقع في غاية الوضوح وإحصائية بسيطة تطلعك على مدى التغيير الكبير، فهل نواكب هذا التغيير أم نحاول تجاهله؟. ما نراه اليوم أن محتوى المدخلات الحكومية في مواقع التواصل المجتمعي بحاجة إلى إدارة احترافية. ويجب أن نعترف أن التواصل مع الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي شيء جديد لم يوجد له إعداد مسبق، فهل نستمر في هذا الوضع ؟ أم نرتقي نحو مستوى مهني لإدارة الحسابات الحكومية الوزارات منها والهيئات والشركات.
“لقد انتهيت لتوي من مقابلة سلطان عمان في ألمانيا ومتوجها إلى الهند” ، تغريدة في غاية البساطة أطلقها جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، دون الحاجة إلى عقد مؤتمر صحفي . إلا أن كيري مثله مثل غيره من الشخصيات المهمة ليس لديه الوقت ليغرد ويرصد ردود الأفعال ، فهناك طاقم يدير حسابه بمهنية. أليس هناك اليوم شباب عماني قادر على ذلك؟! ويمكن أن يكون هذا التخصص مصدر رزق لهم إذا ما أدركت الشخصيات العمانية المهمة أهمية مواقع التواصل الاجتماعي.
إذا ما قررت السلطنة في عام 2015 شن حملة ترويجية ضخمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للترويج السياحي والاستثماري، فكم سيكلفها؟ هل سيكون مبلغا ضخما؟ لا.. بل مبالغ لا تكاد تذكر مقابل العائد الترويجي للبلد. اليوم هناك شباب عماني متميز ومبدع في التصوير الضوئي تظهر الصور في غاية الجمال بارزة جمال الطبيعة العمانية بشكل مغاير، فهل فكرت جهة ما كيف تستغل هذه المواهب؟ لا بد من حاضنة لمشاريع رواد الإعلام الاجتماعي تقدم لها الدعم و استراتيجية واضحة للنهوض بها.
المؤسف عندما تكون شركات حكومية وهيئات ليس لديها حساب فعال في الإعلام الاجتماعي بينما نرى في الدول المجاورة لكل مشروع يخصص له حساب. نعم هناك نماذج جميلة في السلطنة لا أخص أحدا بالذكر جديرة بأن تفتح آفاق جديدة لمن لا يدرك أصلا أن الركب قد فاته، يظهر ذلك جليا عندما نعرف حقيقة الواقع أن هناك حسابات حكومية غير موثقة أساسا في حساب توتير مما يسهل من عملية انتحال حسابات رسمية. فالتوثيق الرسمي (ظهور شارة التوثيق الزرقاء) يمنح الحساب المصداقية والحماية من الانتحال.
وهنا لا يمكن أن نغفل حدث صغير في حجمه كبير في أبعاده المستقبلية، حيث اخُتتم في مملكة البحرين منذ عدة أيام منتدى رواد الإعلام الاجتماعي الثالث تحت عنوان “الإعلام الاجتماعي وريادة الأعمال” الذي عُقد لمدة يومي 28 و 29 يناير، مسلطا الضوء على شباب خليجين أسسوا شركات خاصة لهم في مجال الإعلام الاجتماعي. كان هناك حضور عماني متميز لطاقات شابة تمثلت في كل من مريم العلوي وحسن العجمي، أليس من المناسب استضافة هكذا منتديات هنا في السلطنة؟ هناك اليوم 87 مليون شخص يستخدم الانترنت بشكل نشط في الشرق الأوسط، منها 41 مليون ناشط في وسائل التواصل المجتمعي. اللافت للانتباه أنه رواد الإعلام الاجتماعي أسسوا ناد لهم في مملكة البحرين، فهل تسمح قوانين الأندية اليوم في السلطنة بإنشاء نواد كهذه؟ ولما لا؟
ما لا يعرفه الكثيرون أن مواقع التواصل الاجتماعي مفيدة بشكل كبير في الجانب المهني. فليس هناك جهة بحثية أو تجارية أو طبية أو هندسية إلا ولها حساب في هذه المواقع وتبث فيها آخر أخبارها وتقاريرها، كما أنها منصة لخلق شبكة من التعارف المهني. لا يمكن حصر فوائد هذه المواقع إذ أنها تمثل كل عالمنا لكن بشكل افتراضي.
الإعلام الاجتماعي هو جزء من الاقتصاد المعرفي والذي حسب الإحصائيات يوفر 4 ملايين وظيفة لمجال تقنية المعلومات فقط لعام 2015. ليتنا نخطو نحوه بسرعة، معلنين عام 2016 هو عام معرفي، ننقل فيه المجتمع العماني والمؤسسي نقلة نوعية، مديرين ظهورنا لتاريخ طويل من قبضة البيروقراطية المعادية للابتكار. فمن شأن ذلك أن يساهم في إعطاء مضمون لقرار المجلس الاعلى للتخطيط الصادر بتاريخ 29 سبتمبر 2014 باعتماد اختيار موضوع التنمية المعرفية كموضوع أساسي للتقرير التنمية الانسانية للسلطنة.
ختاما ، أُضيف لا بد أنك أيها القارئ أدركت منذ زمن أن قواعد اللعبة تغيرت بظهور الإعلام الجديد ، فهل تغير اللاعبون؟.

Related posts

التخطيط ما بين 1970 و 2040

Beyond sustainability clichés

Towards Sustainable Engagement