القانون، أم الوعي؟

كنت دائما أتساءل لما تضطر وزارة الصحة لدينا الى الاستمرار بتحديد وقت للزيارة في المستشفيات؟. كما رأينا كيف أصبحنا نبالغ في تقديم العزاء متكبدين في أحيانا كثيرة مئات الكيلومترات. ورأينا كيف نعقد القران في المساجد، وإلى أي حد وصلت المباهاة. كما نسمع دائما مقترحات حين توجد لدينا اشكالية أن حلها بالقانون. ونقول نجحنا في فرض ربط حزام الأمان وذلك بقوة القانون، فهل يا ترى خلق ذلك ثقافة عامة بضرورة الاخذ بمبادئ السلامة؟، أم ما زلنا نرى الأطفال بلا أمان في السيارات.

كيف لنا أن نفسر سلوكيتنا؟، إذ ما حاولنا حصر المشكلة هنا بدقة فهل هي عدم وعينا بضرورة تطبيق مبادئ السلامة والحماية؟. ولمَ نربط بين الحوادث المميتة كالغرق ومسببات الإهمال بالقضاء والقدر، حتى أنني أقول في نفسي، وهل يحدث شيئا في كون الله الا بإذنه. أم إننا لم نفهم أن الايمان بالقضاء والقدر يتطلب منا الاخذ بالأسباب، ومحاسبة التقصير.

وقد يفسر آخرون أن هذا القصور في الوعي-إن كان هو المشكلة حقا- تعود جذوره الى مستوى جودة التعليم. لماذا نحن بحاجة الى تنظيم في أمور كثيرة؟. بكل تأكيد فإن المجتمعات أيضا بحاجة الى تنظيم، وأيضا تصدر بها قوانين غريبة وعجيبة. وبعيدا عن جلد الذات، فإن لا سبيل للإصلاح إلا نقد الذات، والذي لا يحبه الأغلبية، حتى أننا نخلط بينهما. نمر بفترة الاغلاق التام هذه في محاولة للسيطرة على انتشار وباء بات يقتل الشباب بعد أن استمر في اكتساح أجيال من هم في أعمار الستينات فما فوق.

فهل أدى هذا الإغلاق نتائجه المتوخاة؟. وهل سنرجع بعده الى التمادي في عاداتنا الاجتماعية مصرين على المصافحة والتقبيل والمخاشمة؟. كثيرون منا قضى فترة الاغلاق التام خارج العاصمة، وآخرين قرروا السفر، وبعضهم قرر التجمع بالرغم من أنف قرار الاغلاق. ومن اللافت للانتباه حقا ما يحدث قبل كل اغلاق من ازدحام، وما حدث هذه المرة قبل الاغلاق التام من غزو للمحلات وكأننا في حالة حرب. فهل لم نفهم بعد المغزى من الاغلاق؟. هل ستتخلى يوما وزارة الصحة عن تحديد أوقات الزيارة في المستشفيات، لأننا وصلنا الى مرحلة نحترم فيها وضع المريض دون أن نحس بتقصير في حقه.

كم هو جميل تكاتفنا، وتآخينا، وسؤالنا عن بعضنا البعض كالجسد الواحد. وكم هي جميلة روح التعاون بيننا، والكرم الذي نبديه احتفاءً بالضيف، والاحترام الاسري، لكن ألا يوجد حل وسط إما الفردانية المتطرفة في الغرب، أو الأسلوب الاجتماعي الحميمي المبالغ فيه في العالم الثالث؟. لست خبيرة في علم الاجتماع، لكنني فردا في هذا المجتمع أسعى إلى طرح أسئلة لنفكر معا، ما هي مشاكلنا، وكيف نحلها؟. إذا تمكنا من تقبل النقد دون شخصنة، سنكون قد قطعنا شوطا لم تصل اليه دولا كثيرة في العالم الثالث. أما إذا استمرينا بالهجوم الشخصي تاركين لب الموضوع فستظل مشاكلنا مكانها.

أمامنا شهور طويلة إلى أن ننتهي من تطعيم الجزء الأكبر من المجتمع، ولا يعتبر التطعيم علاجا لكنه تحصينا من شر الوباء، فما نحن فاعلون؟. لست هنا اليوم للوقوف على تأخر التطعيم، فذلك ليس بيدنا، أو الإجراءات الواجبة الأخرى، لكن الحكمة تقول أن نبدأ بأنفسنا حماية لأسرنا، وأن تعافي الاقتصاد لا يكون الا بقدر معقول من السيطرة على هذا الوباء. لا أطلب أن نكون شعبا خارقا دون غيرنا من الشعوب، فقد هاجم الفيروس المتحور البلدان المطعمة، وذات المجتمعات الفردانية التي لا تشكل الحياة الاجتماعية الزخم الذي نعيشه. وحين نرى تصرفات لا تقبلها الاخلاق قبل المنطق، فعلينا أن نسأل أنفسنا أين المشكلة في وعينا الذي يشكل اخلاقنا وتصرفاتنا؟ وإذا ما اتفقنا-بما انها دعوة للتفكر- أن الوعي يشكل جزءً أساسيا في التغلب على الوباء، فماذا نحن فاعلون بشأنه؟….حفظكم الله جميعا.