التنافسية الذكية، وتنافسية البيروقراطيين

ينصح الحكماء الإنسان دائماً أن ينافس نفسه ويتغلب على مواضع الضعف لديه ليكون في تطور مستمر، لا أن يقارن نفسه بغيره، فالنصر أن تتغلب على ضعفك. كما يُنصح دائماً بأن يركز الإنسان على مواطن القوة لديه لينميها لا أن تسطير عليها هواجس نقاط ضعفه فتمنعه من التقدم. فمواجهة الإنسان لنفسه تتطلب شجاعة وجرأة لأنه يزيل كل الأقنعة وينظر إلى نفسه في المرآة محاولاً أن يكون أفضل من أمس. وقديماً قيل: “لا يوجد إنسان ضعيف، بل يوجد إنسان يجهل مواطن القوة لديه“.ومن منطلق التأكيد على تطوير الأداء الحكومي، كنت قد ختمت مقالي السابق المنشور في جريدة عُمان بعنوان “التمكين بحاجة إلى تمكين” بتاريخ 28 أكتوبر المنصرم بعدة تساؤلات ترمي إلى النهوض بالتنمية البشرية والتغلب على العوائق التي تحول دون ذلك مشيرة إلى خلاصة التجربة السنغافورية. واليوم تتربع سنغافورة ـ مرة أخرى ـ على عرش تقرير ممارسة أنشطة الأعمال Doing Business الصادر عن البنك الدولي مؤخراً. وقد تزامن إصدار تقرير البنك الدولي هذا يوم 29 أكتوبر الماضي مع مؤتمر ملتقى عمان للتنافسية (الابتكار في الإدارة الحكومية). ورب صدفة خير من ألف ميعاد، فالبنك الدولي يقول إن السلطنة تراجع مؤشرها لممارسة أنشطة الأعمال من المرتبة 60 في عام 2014 إلى المرتبة 66 للعام 2015 في الوقت التي يبحث فيها المؤتمر سبل تطوير الأداء الحكومي لتحسين بيئة المناخ الاستثماري!

ويقدم تقرير ممارسة أنشطة الأعمال مؤشرات عن عدد من الإجراءات مثل: سهولة البدء في النشاط، سهولة استخراج تراخيص البناء، قياس جودة إدارة الأراضي وحماية حقوق الملكية وذلك لـ189 دولة. إن هذا التقرير عادة ما يستخدمه المستثمر الأجنبي لاتخاذ قرار أي الدول افضل وأسهل لنقل أنشطته الاستثمارية التي هي في توسع إليها. على سبيل المثال جميع الشركات العالمية الكبرى لها فروع في أنحاء العالم أو مكاتب تمثيلية، لذا لن تقدم شركات كبرى على فتح هذه الأفرع إلا في البيئات المرحبة بها. كما أن روَّاد الأعمال (أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة) سيكون التقرير لديهم بمثابة الدليل المحايد لجميع العوائق التي يحاولون التغلب عليها. تقرير ممارسة أنشطة الأعمال هو جزء من صورة متكاملة تظهر جلية في التقرير العالمي للتنافسية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس الذي تراجع ترتيب السلطنة فيه 13 رتبة من 33 في عام 2013 إلى 46 في عام 2014م. دعونا نتعمق قليلا أين تراجع ترتيب السلطنة تحديداًَ: (تشريعات العمل المعيقة ، قلة كفاءة المستوى التعليمي، ضعف أخلاقيات العمل بين الأيدي العاملة الوطنية، ضعف كفاءة الجهاز الإداري الحكومي، عدم كفاية المهارات الابتكارية) إذا ما نظرنا نظرة استراتيجية دون الدخول في تفاصيل كثيرة فنحن هنا نتحدث عن 3 محاور رئيسية هي: التعليم، التعمين (سياسات العمل)، التمكين، وإذا ما أردنا أن نلخص الرسالة النبيلة التي أراد مؤتمر ملتقى عمان للتنافسية (الابتكار في الإدارة الحكومية) أن يوصلها فهي: تطوير الأداء الحكومي عبر تبني ثقافة الابتكار، وذلك من خلال عدة توصيات منها أن تكون لدى المؤسسات الحكومية دوائر للابتكار، تغيير ثقافة العمل عند الموظف الحكومي، معاملة المواطنين كزبائن في المعاملات الحكومية.

توصيات متنوعة لا يختلف عليها أحد، إنها أفضل الممارسات التي تبنتها دول كثيرة ونجحت، أما التساؤل هنا فهو ما هي آليات التنفيذ؟

إذن لا داعي لتجربة خجولة تقول: دعونا نجربها في أحد القطاعات ثم نعممها وإذا نجحت نطبقها. فلا وقت لذلك، فالإنسان المتميز هو من يتعلم من فشل غيره، لا أن ينتظر فشله ليتعلم منه. كما أن الاستعجال صفة القيادة الناجحة فلا وقت لديها لإضاعته، ذلك أن الانتظار أغلى ثمناً من ارتكاب الأخطاء مع التنفيذ الفوري.

وإذا ما أرد الإنسان أن يحسن من حياته ويطورها، فلا بد أن يضع لنفسه خطة عمل فورية، مزيلاً جميع العوائق التي تقف في طريقه، فلا يأتي بالأعذار إلا المتكاسل. وإذا تحدثنا عن خطة لتطوير الأداء الحكومي فإنني أود أن اقترح إنشاء مركز للتنافسية ولا يعني ذلك كياناً جديداً بل ربما تحديثا لكيان آن له أن يقوم بهذا الدور ويرفع لجهات التخطيط العليا مؤشرات الأداء الضعيفة لمراجعة استراتيجياتها حتى نرتقي بأداء القطاع العام ليصبح منافسا للقطاع الخاص، ولا أقول مواكباً له إذ أن القطاع الخاص لا ينمو، ولا يتقدم إلا بوجود قطاع عام قوي متمكن.

ولا يمكن الحديث عن تطوير الأداء الحكومي دون تطوير الكوادر البشرية الحكومية. حيث يُطالب الموظف الحكومي أن يعامل المواطن معاملة الزبون، وهنا يمكن أن نتساءل عن آلية حدوث ذلك في حين أن الموظف لا يُسمح له بالاطلاع على تقييمه السنوي في بعض الجهات مما يكرس بداخله مبدأ سرية المعلومات مهما كانت، لذا يتردد الموظف في إرسال بيانات مهمة لجهات حكومية تطلبها ولا يتعاون معها، وتعاني الجهات الحكومية من عدم التنسيق فيما بينها.

إن التقييم السنوي للموظف ونحن على أعتاب نهاية العام، هو وسيلة تطويرية له لا مؤامراتية لحجب الترقيات عنه، فالموظف يجب أن يعرف موضع الخلل لديه ليصلحه. نحن أمام تحد كبير، وهو تغيير الثقافة المؤسساتية لدينا والتي تختزل في تصرفات فردية بعقليات بيروقراطية. إن تغيير الثقافة المؤسساتية كان ولا يزال منذ القدم تحدياً قيادياً في المقام الأول.

إن مركز التنافسية العماني يجب أن يتبنى برنامجا للأداء الحكومي المتميز (الامتياز في الإدارة)، تعاد فيه صاغية جميع جوائز الإجادة الحكومية، فالإجادة ليست للمؤسسات فقط بل للمجيدين الذين يعملون خلف الكواليس فهم أولى بالجوائز، ويستحقون التكريم على الملأ. ونحن هنا لا نبحث عن الإجادة بل عن الامتياز في الأداء الحكومي، بتبني ثقافة التعلم المؤسساتي organizational learning بمعنى ثقافة التعليم المستمر من التجارب والإخفاقات، وهو ما يعجل بعملية التطوير الفردي والمؤسسي المستدام، وبذلك يؤسس بشكل تلقائي للابتكار المستدام. إن برنامج الامتياز في الإدارة كفيل بتغير النظام البيروقراطي إذ ان التنافس بين المؤسسات الحكومية سيجعلها تتبنى المقارنة (Benchmarking)، مما يعني إدخال مؤشرات الأداء تمهيداً لتقييم الأداء. وأود أن أبسط مفهوم الأداء الحكومي العصري الذي تفرضه العولمة لدى المواطن في العالم اليوم، إذ أن عصر التكنولوجيا وضعه في مفارقة عجيبة، فإذا كان العالم اليوم بين بيديه في جهاز ذكي يحمله أينما ذهب، ويستطيع به أن يجري ترتيبات سفره ومواعيد طبيبه فإنه يقف حائراً متسائلاً: إذا كنت أستطيع فعل كل هذا بهذا الجهاز الذكي فلما أحمل معي حقيبة من الأوراق لإنهاء معاملاتي الحكومية. وهنا أشير إلى ترتيب السلطنة في مؤشر الجاهزية الإلكترونية حسب تقرير التنافسية العالمي (دافوس) حيث جاءت السلطنة في المرتبة 57 لعام 2014 مقارنة بالمرتبة 56 لعام 2013 مما يجعلنا نبحث في أسباب عدم تقدمنا بالشكل السريع. وفي كل الأحوال لا يمكن الحديث عن تطوير الأداء الحكومي دون إطار زمني محدد وسريع لتطبيق الحكومة الإلكترونية التي أصبحت مصطلحاً يتقادم بوجود حكومة ذكية، آخذين في الاعتبار قبل إدخال التكنولوجيا أنه يجب إعادة هيكلة الإجراءات وتبسيطها لتكون التكنولوجيا في خدمتنا. غير أن إعادة هيكلة الإجراءات يمثل تحدياً ضمن قائمة من التحديات التي حالت دون الإسراع في تطبيق الحكومة الإلكترونية.

ونحن هنا نتحدث عن مشروع متكامل لجميع المؤسسات ووحدات القطاع العام، ونتحدث عن فعالية منظومة الاتصالات بأكملها فلا ينبغي لوم جهة واحدة. بل الأولى جعل التحول الإلكتروني في قائمة أولويات العمل الحكومي، وإعداد خطة عمل لتذليل التحديات. إن عملاً كهذا سوف يبرز معضلة التنسيق الحكومي الذي طالما تم انتقاده من مسؤولي الحكومة والمواطنين، وانتقاد آليته التقليدية، وهي اللجان. أما آن لنا أن نعمل بآلية تنسيق أخرى؟!.

أخيرا، أود أن أقول : إن توفير البيانات الإحصائية وتحديثها المستمر وعرضها بمقاييس دولية من شأنه أن يرفع تقييم السلطنة في التقارير الدولية، إلا أن ذلك لا يعني ألا نلتفت إلى المواضع الواجب تطويرها إذ أن الإنسان القوي الواثق من نفسه ذا العقلية المنفتحة التي لا تخشى المنافسة يتبنى دائماً فلسفة: رحم الله امرءاً أهدى إليَّ عيوبي.

Related posts

التخطيط ما بين 1970 و 2040

Beyond sustainability clichés

Towards Sustainable Engagement