يتساءل الجيل الذي أبصر النور على عصر النهضة العمانية عن أسباب بطء وتيرة التنفيذ لدينا، ويتطلع بحكم صغر سنه إلى العيش في مدينة عصرية حديثة لا تنام، و لا تعرف الهدوء الذي يحبه الإنسان عندما يصل إلى سن متقدمة.كنت قد تناولت في مقالي السابقين النقاط الاستراتيجية والخطوط العريضة التي تحكم الأداء العام للقطاع الحكومي و تأثيره على القدرة التنافسية للسلطنة، و تطرقت إلى تراجع ترتيب السلطنة 13 مرتبة في تقرير التنافسية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، كما تحدثت عن مدى ملاءمة التجربة السنغافورية في تنمية الموارد البشرية في القطاع العام، إلا أن النظرة الموضوعية تحتم عليّ أولا التقييم الواقعي والتشخيص السليم للتحديات التي تواجه تطوير القطاع العام ، وثم البحث عن الحلول الملائمة.جيل بأكمله استثمرت فيه السلطنة ليدرس سواء في داخل البلاد او خارجها يعمل في كافة القطاعات، إلا انه يصطدم بجيل تفصله عنه فجوة ثقافية كبيرة أو أنه ينطلق من مفاهيم لا تتناسب مع متطلبات المرحلة الحالية ناهيكم عن المستقبلية، غير أن هذه الأجيال و إن كانت قد شقت طريقها بجهد و تعب و تدرجت في مناصب القطاع العام إلا انها لم تجد الوقت للاستثمار في تطوير النفس.
إن ما تفرضه موجة العولمة والتطور في تكنولوجيا الاتصالات اليوم من تغيير حياتّي سّرع من وتيرة التغيير الاجتماعي الذي كان يأخذا قرونا في الماضي. مما يعني أن حدة الصراع بين الأجيال باتت أكثر ضراوة من المعتاد ، غير أن بعض الآباء و الأمهات تفّهموا ذلك باكرا وأتاحوا نطاقات من الحرية لأبنائهم مدركين أن ما صلُح لهم لا يصلح لأبنائهم مطبقين مقولة سيدنا علي بن أبي طالب :» علموا أولادكم خير ما علمتم فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم».
و لنا في علم القيادة دليل على التغيير الهرمي (رئيس الوحدة-وزير أو وكيل وزارة-) بأنه تغيير استجابي آني (ردة فعل) لتدارك استياء الرأي العام ،و غالبا ما يأتي كمحاولة إنقاذ. إلا ان رئيس الوحدة الجديد ريثما يصطدم بما يتصوره البعض بأنه أعمدة الوزارة فهم الذين يخلقون هالةً حول أنفسهم محاولين إقناع غيرهم بأن دفة العمل لا تتحرك بدونهم. وقد يكون مر عليهم أكثر من تغير وزاري، وبقائهم في نفس المنصب دون تدوير يعني أنهم استنفذوا ما عندهم ولم يعد لديهم أي جديد. إن رئيس الوحدة مهمها كانت قدراته لا يستطيع أن يقدم شيئاً إلا بوجود فريق عمل مؤهل إذ انهم عماد العمل. فالتغيير الحقيقي المطلوب يجب أن يشمل المستويات الإدارية المختلفة وليس فقط أعلى الهرم.
لا نطلب من الإنسان أن يتجرد من طبيعته ويصبح مسالماً لا يدافع عن حقوقه فالجيل الذي لم يحظ بالتعليم المناسب لمتطلبات اليوم، لابد وأن يحمي وجوده بعرقلة جيل لا يؤمن بالبيروقراطية. و مع وجود أجواء عمل كهذه فإن الإنتاجية لا تصبح هي الأولوية، بل أن كلمة التطوير غير مستخدمة أصلاً في قاموس البيروقراطيين. وعليه فإنها عقليات تعودت على تلقي الأوامر، لذا فالمبادرات غالبا ما تُحفظ في الأدراج. وهو أيضا ما يجيب على التساؤل الذي يطرحه الرأي العام لماذا لا يتحرك المسؤول إلا بعد أن تحدث مشكلة؟، لأنه وببساطة رأس الهرم ليس لديه فريق مبادر بل متلقٍ للأوامر. في ظل هذه التحديات تأمُل الأجيال الجديدة التي تتطلع إلى أن تقوم بدورها متأملةً أن يقوم رأس الوحدة بتذليل الصعاب التي تواجهه، في حين أن رأس الوحدة لا يملك من الصلاحيات والمرونة في القوانين ما تمكنه من زحزحة ما يُعتقد بأنهم أعمدة الوزارة. فالعقليات البيروقراطية هم كما وصفهم الأخ عوض الدرمكي ديناصورات القطاع العام في مقاله «المتحكمون بالخيوط» المنشور بجريدة البيان بتاريخ 1 يونيو 2014 والذي اختتمه بقوله أن «العقليات التي أدت إلى قصور في أداء بعض المؤسسات لا يمكن أن تكون طرفا في الحل»، وأنا أردد حكمة اينشتاين «الجنون هو أن تكرر فعل نفس الشيء وتتوقع نتائج مغايرة» فالعقلية التي أوجدت هذه العوائق لا يمكن أن تقدم الحلول.
وفي هذا الصدد فإن قانون الخدمة المدنية المرتقب إذا لم يلتفت إلى مسألة صراع الأجيال هذه، ويفسح المجال لضخ دماء جديدة في الصفوف القيادية وخاصة الثانية والثالثة، فإنه سوف يبقي التساؤل الذي بدأت به مقالي عن أسباب بطء وتيرة التنفيذ دون تغير.
كما أن قانون الخدمة المدنية في رائي الشخصي يجب أن يحدد معالم الطريق الرئيسية والخطوط العريضة دون الدخول والتدخل في القطاعات المختلفة بحيث لا يطبق القواعد نفسها على قطاع الصحة والتعليم والقطاعات الأخرى فلكل قطاع طبيعة عمل مختلفة. و لابد من إيجاد توازن بين ما سيتم فقده من موارد بشرية جراء إي تعديل بسيط لقانون التقاعد مع الأخذ في الاعتبار أن لا تسيطر على صياغته التكلفة المالية فقط فهناك اعتبارات أخرى يجب أن تؤخذ في الحسبان منها أيضا تخفيف المركزية بحيث تُعطى وحدات القطاع العام بعض الصلاحيات دون الإخلال بحق الموظف.
لقد فقد القطاع العام العماني العديد من الكوادر البشرية (هو ما يسمى في علم الموارد البشرية بمصطلح النزيف bleeding) على مدى السنوات العشر الماضية التي لا تعوض نتيجة لتوسع القاعدة الاقتصادية في السلطنة و ظهور شركات النفط و الغاز و شركات الطاقة و عدد من البنوك، وسوف تستمر خسارة الكوادر البشرية مما يزيد من ظاهرة الاستعانة بالمكاتب الاستشارية التي تجمع توصياتها مما تسمعه من موظف القطاع العام وتصيغه في قالب منمق وباللغة الإفرنجية.
ورجوعا إلى التجربة السنغافورية التي تتساءل الدول المتقدمة عن سبب كفاءة أداء القطاع العام بها، فإنني أقول أن المعادلة بسيطة وليست معقدة سنغافورة تنتقي العقول التي تنضم إلى القطاعين العام و الخاص فالمهم هو كفاءة هؤلاء ،و بالتالي يسهل تنقل الكفاءات بين القطاع العام والخاص، بل أن أفضل الكفاءات التي تنضم إلى القطاع الخاص هي في الحقيقة من مخرجات القطاع العام. إن التركيز دائما على الوظيفة ومتطلباتها وليس الشخص واتصالاته.
وتعمل على التأكد من بقائهم في القطاع العام عبر توفير مكافئة ما بعد الخدمة تضاهي مكافئات القطاع الخاص ،مما يضمن عدم التفريط فيهم. فبناء الكوادر البشرية المميزة عملية مكلفة و طويلة و سيكون التفريط فيها أكثر كلفة. إن التغيير حاصل وآتٍ لا مناص منه إلا أن وتيرته لا ترضي جيلا لا يؤمن البيروقراطية و لا يحب الانتظار و لا يجد ما يبرر التأجيل. فلم يعد لدينا خيارا سوى محاولة اللحاق بالركب عبر ضخ دماء جديدة تزيح ديناصورات القطاع العام، أو الاستمرار بنفس الوتيرة، مع تحمُل تبعاتها.