الحلول المستدامة للإشراك

الاحتياجات والمتطلبات تختلف باختلاف ظروف كل مرحلة، ونحن اليوم نمر بمرحلة ثلاثية التأثير مرورا بجائحة وبائية، وتداعيات انخفاض أسعار النفط، وتنفيذ برنامج التوازن المالي للتعامل مع الدين العام. هذه التحديات تزامنت مع بداية تنفيذ رؤية عمان 2040 وما استدعاه ذلك من تغيير. مما أدخلنا مرحلة غير مسبوقة، والتي بطبيعة الحال تستدعي أدوات تضمن التواصل والإشراك والحوار ما بين مكونات المجتمع الاقتصادي وصولا إلى بناء سياسات فعالة. فهل هناك اليوم حوار فعال ما بين القطاعين العام والخاص؟

كانت الظروف في نهاية التسعينيات من القرن الماضي مشابهه في صعوبتها إلى حد ما للتداعيات التي نراها اليوم في العالم وذلك حين هوت أسعار النفط عقب الأزمة المالية الآسيوية لتصل إلى ما يقارب عشرة دولارات للبرميل، فكيف تعاملنا معها؟. أحد أدوات التعامل في السلطنة كانت بإنشاء مجلس التنسيق الاقتصادي، وتزامن معه أيضا إنشاء مجلس رجال الأعمال. السؤال الذي يمكن أن يطرح بالرغم من بداهته، ولم كل هذا التنسيق؟. و لماذا تم إنشاء مجلس رجال الأعمال بالرغم من وجود غرفة للتجارة والصناعة؟. للإجابة عن هذه التساؤلات، فإن السلطنة ليست الوحيدة في اتباع هذه الخطوات التنسيقية إذ تشير التجربة الماليزية إلى إنشاء مجلس العمل الاقتصادي الوطني إبان انهيار “الرينجيت” العملة الماليزية خلال الأزمة المالية الآسيوية 1997-1998.

إفلاس المؤسسات التجارية لا يساعد أحدا ذلك هو الفكر الذي انطلق منه مهاتير حين أسس هذه الهيئة الاستشارية في وقت تدهورت فيه قيمة الرينجيت الماليزي، بل بالعكس وثقت مذكراته اعترافه باهتمامه بأرباح القطاع الخاص فهي ببساطة تعني مزيدا من الدخل الضريبي للدولة. احتاج هذا الوضع الاقتصادي نتيجة انهيار العملة الماليزية إلى مراقبة مكثفة للمتغيرات حتى يمكن اقتراح العلاج عبر العمل الجماعي والجهد الواعي ما بين القطاعين العام والخاص، وهو ما دونه مهاتير في مذكراته.

اليوم يمر العالم بظروف لا تقل في آثارها عن الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، إذ إن الدول حتى ترجع إلى مستويات النمو في 2019 ستحتاج إلى سنوات عديدة وذلك بمقدار قدرتها على التغلب. تشير الأرقام الرسمية إلى انخفاض يقدر بنحو 15% في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، علما بأنه لا يعكس الانخفاض الحقيقي في الاقتصاد، إذ لابد من توفر الأرقام بالأسعار الثابتة. فما هي الأدوات المطلوبة اليوم لتحقيق التعاون المثمر ما بين القطاعين العام والخاص؟ وذلك تنفيذا لرؤية عمان 2040 التي استهدفت توجها استراتيجيا متمثلا في خلق البيئة المناسبة “لقطاع خاص ممكّن يقود اقتصادا تنافسيا ومندمجا مع الاقتصاد العالمي” كما ورد نصيا في وثيقة الرؤية.

قبل الإجابة عن هذه التساؤلات وطرح الحلول والأدوات، فإن هذا الطرح يهدف إلى تقديم قراءة للمشهد العام بمطالبات مستمرة من القطاع الخاص سواء من مؤسساته الكبيرة أو الصغيرة بالحوار البناء والتواصل والرغبة في الإشراك، والدعوة بعدم احتكار القرار. كيف نضمن حوارا اقتصاديا فعالا إذا كانت الشركات المملوكة للدولة لا يوجد لها تمثيل فاعل في غرفة التجارة الصناعة وهي تمثل ثقلا اقتصاديا في عدة قطاعات. كما أن تمثيل الشركات العائلية الكبيرة في غرفة تجارة وصناعة عمان يكاد يكون منعدما، فكيف نضمن وجود حوار بناء بين القطاعين العام والخاص، وأهم المؤسسات التجارية في الاقتصاد العماني غائبة عن التفاعل؟. و بقراءة أعمق للمشهد الاقتصادي اليوم فإن قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليس لديه تمثيل قوي في هذه الغرفة، وقد قطع شوطا كبيرا في التأسيس منذ أن شجعت السلطنة هذا التوجه، فما هي آلية إشراك هؤلاء الشباب في عملية صنع السياسات والقرارات؟ كذلك البنوك وهم العنصر الأساس في عملية التنمية والنمو الاقتصادي ليسوا على طاولة الحوار مع جميع مكونات المجتمع الاقتصادي. وأين هي المظلة التي تحوي الشركات الناشئة في السلطنة والتي سيكون لها الدور القيادي في الاقتصاد الرقمي، أليست هي الأجدر بالإشراك في صنع السياسات؟

أحد الحلول التي يمكن الاستفادة منها في هذا الطرح التجربة الهولندية. بعد الحرب العالمية الثانية أدت المخاوف من عودة الكساد الاقتصادي الذي ساد في الثلاثينيات إلى نقاش طويل حول التوجه الذي ينبغي أن يسلكه الاقتصاد الهولندي فنتج عنه إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي (SER). بمرور الزمن أصبح هذا المجلس أحد أهم روافد الاستشارة للحكومة والبرلمان على حد سواء في صنع سياسات الاقتصاد الاجتماعي Socio-economic. وأجمل ما في التجربة الهولندية وجود خبراء مستقلين في مجلسها الاقتصادي والاجتماعي بالإضافة إلى القطاع الخاص واتحاد العمال. كما أنه مجلس مستقل يتم تمويله من القطاع الخاص حيث بلغت قيمة الدعم 16 مليون يورو سنويا.

هذه هي خلاصة بعض التجارب الدولية إذ تطور دور المجلس الاقتصادي الاجتماعي الهولندي منذ الخمسينات إلى اليوم بإبداء الرأي والمشورة حول مواضيع متنوعة مثل بنية الاقتصاد الكلي، وأنظمة التقاعد، واستراتيجيات النقل والصناعة، وما إلى هنالك من مكونات علم الاقتصاد الاجتماعي. كما يعتز مهاتير بتجربة ماليزيا في تقديم نموذج غير مسبوق في التعاون ما بين القطاعين العام والخاص ذاكرا أنه لا دولة في العالم تفوقت على ماليزيا في هذا التعاون، في حين تتهمه الصحافة الغربية بمحاباة القطاع الخاص.

ليست هذه دعوة لإنشاء المجالس والهيئات واللجان، وإنما دعوة للنقاش والتفكر للخروج بآلية تتطلبها المرحلة لإشراك فعال للقطاع الخاص، على ألا تمنعنا تجاربنا السابقة في إنشاء المجالس، والتي لم نرض عنها تمام الرضى من تبني أفكار جديدة في ظل المتغيرات الحالية. فما هي الآلية المناسبة؟ وما مدى نضج مؤسساتنا المدنية؟ وهل يفضل اختيار الأعضاء بالترشيح أم التعين؟ ودون التحيز إلى تبني فكر ما، واستفادة من تجاربنا في السلطنة، وتجارب الغير فإن هناك ثلاثة مكونات أساسية لضمان الرؤية التكاملية لصياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية. أولا: القطاع العام المسؤول عن وضع السياسات، وثانيا: القطاع الخاص الذي ينبغي أن يقود قاطرة النمو، وثالثا الخبراء المستقلون لضمان الحيادية والرأي الموضوعي، والذي يطلق عليهم في التجربة الهولندية مسمى الأعضاء الملكيين Crown Members.

تتبنى الدول هذه الآليات لضمان تكامل العمل والرؤية التكاملية لصياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بالرغم من وجود الغرف التخصصية التجارية وبالرغم من وجود البرلمانات لديها. يتطلب بناء السياسات العامة مراسا ميدانيا وفهما عميقا بالتفاصيل، فإما أن يتم ذلك بالنزول الفعلي إلى الميدان أو بالاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص، وكلا الطريقتين تتطلبان قدرة قيادية ونظرة استراتيجية ملمة بالأبعاد المتعددة. وتوفر هذه المظلات الاستشارية الإشراك والحوار ومعرفة تفاصيل التحديات من الميدان، كذلك تحقق الاستفادة من تنوع وتعدد الخبرات.

ختاما كان لنا تجربة نتعلم منها إذ حقق البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي الذي أطلق في عام 2016 –مختبرات تنفيذ- حراكا غير مسبوق ما بين القطاعين العام والخاص بكافة قطاعاته الإنتاجية والخدمية ومؤسسات القطاع المدني، إلا أنه كان إشراكا وقتيا بينما هناك حاجة مستمرة ومستدامة لهذا الإشراك. كذلك حلقات النقاش ما بين القطاعين التي استضافتها وحدة التفكير بديوان البلاط السلطاني، والتي أيضا كانت وقتية ونخسر في كل مرة تراكم المعرفة واستدامة المبادرات، فكيف يكون الحل مستداما لإشراك القطاع الخاص؟.

You may also like

Leave a Comment