إطار استراتيجي متكامل متعدد الأبعاد، بهذه الجملة يمكن أن نصف البيان الختامي لزيارة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله. ولا يمكن ـ طبيعة الحال ـ فهم هذا الإطار دون المرجعية التاريخية للعلاقات العمانية السعودية التي تمتد إلى أكثر من قرنين من الزمان منذ قيام المملكة بقيادة آل سعود. كما لا يمكن أيضا فهم السياق دون الربط بما يحصل من مستجدات على الساحة العالمية في بدايةٍ لتغيير ملامح أقطاب القوى ودخول قوي للاعب الصيني. أما اليمن بحدودها الجغرافية المشتركة فهي العمق الاستراتيجي لكلا البلدين، وقد اتفقا على ضرورة الحل السلمي، مما يعني التدرج نحو إخماد النار.
وجميع ما يتفق عليه من أجندة جيوسياسية، فهي المحدد لحجم ونوعية التعاون الاقتصادي وباقي المجالات. وفي ذلك فقد تقرر إنشاء مجلس تنسيقي بين الطرفين، واستمرار صياغة التعاون بينهما. كما أنه من الملاحظ أن أجندة العالم اليوم وهي الاستدامة بمكوناتها الطاقة المتجددة والمحافظة على البيئة كانتا حاضرتين ضمن الخطوط العريضة لإطار التعاون بين البلدين.
القارئ لرؤية المملكة 2030 التي أطلقتها في عام 2016 يستنتج عزم المملكة تغير النموذج التنموي الخليجي السائد، ذلك أن هناك إدراكا واعيا بعدم القدرة على الاستمرار بحجم الصرف حتى وإن ارتفعت أسعار النفط إلى ما هو أكثر من المائة دولار. مما يتطلب منها تغييرات يعتقد كثيرون أنها تلامس الجانب الاقتصادي فقطـ، بينما امتدت لتشمل حتى فلسفة مسارها الديني مبتعدة عن التقليدية نحو الاعتدال. الحراك الاجتماعي الذي ستحدثه هذه التغيرات سيظهر خلال السنوات القريبة القادمة، وبشكل متسارع غير متوقع. هذه الظروف جميعها وإن كانت تبدو شأنا داخليا، إلا أنها أيضا أسهمت بشكل أو بآخر بتحديد علاقات المملكة مع باقي جيرانها.
أما السلطنة فهي تجني ثمار مواقف سياستها الخارجية الثابتة المبنية على مبادئ الحياد وعدم التدخل في شؤون الغير، مع حماية مصالحها بلا شك. هذا الموقف الموثوق إضافة الى جاذبية بنيتها التحتية وحقولها الخضراء للاستثمار -كما يقال في لغة الاستثمار- تشكل جذبا لاستثمارات ضخمة. إن موقف السلطنة الجيوسياسي في غاية الدقة والحساسية مما يتطلب منها مسك مرتكز الميزان بحذر وحرفية كي لا تميل كفة على أخرى في توازن متقن ما بين الملفين الإيراني، والحرب اليمنية على حدودها.
هذه تحليلات قد تخطئ وتصيب، لكن ما هو أكيد أن هذه الزيارة فتحت صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين ستؤثر على ملامح العلاقات الجيوسياسية الخليجية. أثبتت السلطنة بهذه الخطوة وجودها المؤثر ودورها المعروف بالاتزان والسعي نحو الحلول السلمية وما يحقق استقرار أمن المنطقة. أما أجندة التعاون الاقتصادي والتكامل اللوجستي، فذلك مرهون بجهود الطرفين بعد أن تم الاتفاق على الخطوط الاستراتيجية العريضة. فليس هناك حدود لإمكانيات البلدين بما يحقق الرخاء للشعبين. فكما يشهد للمملكة تقدم في مجال الزراعة -من بين دول الخليج-مثلا، فإن للسلطنة طاقة كامنة لم تتفتح بعد قدراتها في هذا المجال. كما أن المخزون السمكي ذو الجودة العالية وميناء صيدها الكبير في الدقم سيشكل مدخلا كبيرا للتصدير والتصنيع بما يعزز الأمن الغذائي بين البلدين. كل هذه أمثلة وليست للحصر، إذ لا يخفى على أحد تقدم الصناعات السعودية وقطاع البتروكيماويات، إنما هي محاولة للتوضيح أن المصالح وحدها من تحدد العلاقات بين الدول. وللتأكيد أكثر هي المصالح المتبادلة بين الطرفين، وليس طرف على حساب طرف.
الحقيقة أن قائمة التعاون تطول، ولافت للنظر التحرك السعودي نحو التكنولوجيا وخاصة الفنتك في مجال تطوير قطاعها المالي. وكلا البلدين يسعيان نحو إطلاق مكامن قدراتهم السياحية، وكذلك تسارع المملكة نحو توفير مرافق الترفية التي تفتقدها الساحتان العمانية والسعودية.
ختاما هناك تطلع شعبي كبير نحو مزيد من التعاون في شتى المجالات، وإذا ما كتب لهذا التعاون الاستمرار فإنه وبالآفاق التي سيفتحها حتما سيغير بعض ملامح توازن القوى في شبه الجزيرة العربية.



