حقيقة كليشيهات الاستدامة

ركزنا كثيرا على المسؤولية المجتمعية، وحاولنا أيضا تحقيق القيمة المحلية عبر استراتيجية أطلقتها وزارة النفط والغاز -آنذاك- في 2013 وانتهت في 2020، متسائلين عن مدى نجاحها في تحقيق أهدافها.

هذا هو السؤال الأول الذي افتتح به المقال والقائمة تطول، إذ أننا نسينا الأصل وركزنا على الفرع.

الاستدامة هي المظلة الكبرى التي تنضوي تحتها المسؤولية المجتمعية، والقيمة المحلية، عليه لا يمكن استخدام مفهوم الاستدامة كبديل للمسؤولية المجتمعية، كما أنها التوجه العالمي الذي يحظى بأهمية متنامية خاصة في المجال البيئي.

أما السؤال الثاني اتجاه هذا الخلط في المفاهيم، فمن أين أتت كلمة المضافة لنضيفها إلى القيمة المحلية؟، هناك فرق كبير بين المصطلحين ICV القيمة المحلية وAdded value القيمة المضافة.

الانتقال من مستوى إلى آخر لا يقل جهدا عن مرحلة التأسيس نفسها، الغرض من التغيير ليس فقط المواكبة للمتغيرات والمتطلبات والتقدم الحاصل، إنما لا استدامة إلا من خلال القدرة على الانتقال إلى مستوى آخر.

هناك الكثير من الجهود المبذولة كتبرعات وأعمال خيرية من الشركات النفطية، وصناديق الشركات العائلية المخصصة لأعمال الخير، إلا أن السؤال المطروح ما مدى كفاءة وفعالية هذه الأعمال؟، فمقياس نجاحها بمقدار تحقيقها للعائد الاجتماعي الذي يحسب بالأرقام، بمعنى هل تحقق الأولويات؟ أم تحيد عنها إلى أهداف فرعية؟، وبالتالي لا تسد الثغرة الموجودة، وإذا ما أعدنا صياغة السؤال هل بالإمكان أن تنظم هذه الأعمال الخيرية والتبرعات على نحو أفضل وأكثر كفاءة؟

كل هذا ولم نتطرق بعد إلى ملف المسؤولية المجتمعية الذي ما زلنا نخلط بينه وبين الإحسان والصدقة، وبين السعي نحو محاولة تحسين سمعة الشركات الذي يعتقد أنه يمكن أن يتم عبر حملات التسويق، وبناء المجالس في الولايات -راجع مقال آن الكندية بعنوان مسؤولية مجتمعية مسؤولة منشور في «جريدة عمان» 9 يونيو 2018-. لا يعني ذلك أنه لا توجد لدينا ممارسات مهنية في مجال المسؤولية المجتمعية، والتي أيضا نصرّ على تسميتها بالمسؤولية الاجتماعية، ربما لأنها جرت العادة على استخدام هذا المصطلح، أو لأننا في بواطن وعينا لا نريد أن نفرق بين الإحسان وبين ما يتطلبه هذا الملف من دراسة وفهم للأولويات التنموية للبلد في كل مرحلة، المهم أن هذا الخلط في المفاهيم أدخلنا في دوامة لا تنتهي، وربما ثغرات للتملص من المسؤولية، وامتهان لعبة تقاذف اللوم والتقصير.

وحين نأتي إلى المسؤولية المجتمعية، فمن يحدد لها الأولويات التنموية؟، وبإعادة صياغة السؤال، هل هناك من يجتمع بمختصي المسؤولية المجتمعية ليناقش معهم الأولويات الملحة؟. فإذا كانت طاولة الحوار الواحدة لا يتفق عادة فيها على الطرح نفسه فما أراه أولوية قد لا يراه الآخر كذلك، فكيف لا تتشتت الجهود ولا تصب حيث ينبغي أن تكون؟ وهل هو ملف تنموي اجتماعي، أم اقتصادي؟.

إن المتابع لحراك الجمعيات الخيرية يلتمس التقدم الإداري والمهني الذي وصلت إليه هذه الجمعيات التي تدار أغلبها بقيادات نسائية.

الأمر الذي يعني أن خارطة العمل الخيري اليوم باتت بحاجة إلى من يهيء لها مناخا يكفل لها الانتقال إلى مراحل متقدمة من المهنية في العطاء، كما أن المتابع لهذا الملف يرى تكرار الجهود وتشابهها، وكم في ذلك من ضياع للفرص وتعطل للموارد، ومن هنا فإن الهيئة العمانية للأعمال الخيرية البالغ عمرها المؤسسي حوالي 25 عاما، ولمواكبة التطورات الحاصلة، فقد تكون إعادة هيكلتها برؤى جديدة فكرة جيدة لتحقيق مبدأ الاستدامة، والابتعاد عن الإحسان الذي يوجد الاتكالية دون أن يحل المشكلة من جذورها.

من هنا فلا بد من توضيح التوجه الاستراتيجي لأولويات الصرف والتنمية وعدم تركها لاجتهادات شخصية، نحن اليوم بحاجة إلى وضع بناء القدرات والتدريب على رأس الأولويات. فإذا كانت قدرة القطاع الخاص على التوظيف محدودة، وحديثه الدائم عن عدم توفر المهارات المطلوبة، فماذا قدم بشأن صقل هذه المهارات في الموظف العماني؟.

قدمت وزارة العمل دعمًا للشركات الراغبة في تدريب العماني على رأس العمل، فما هي خطة القطاع الخاص؟، هل سنرى العماني يتدرب في كبرى الشركات العالمية مثل بي أم دبليو BMW أو أودي Audi أو بي بي Bp، وهل سنرى المبرمجين العمانيين تصقل مهاراتهم في مايكروسوفت وجوجل وأبل وغيرها من الشركات العملاقة؟ وكم ستفتح هذه البرامج التدريبية من آفاق في ظل ضرورة التأهيل للوظائف المجزية؟ الفكرة هي من يحدد هذه الأولويات، من يضع لها الإطار، ويرسم لها المخرجات المطلوبة؟.

تأتي كثير من البرامج والمشروعات كردة فعل لمتطلب مجتمعي أو لظروف تراكمت، فمتى نكون قادرين على المبادرة سباقين لها؟ ما هي شركات القطاع الخاص التي لديها كفاءات عمانية لإدارة ملف المسؤولية المجتمعية غير شركات النفط والغاز والقطاع البنكي؟ وهل فصل القطاع الخاص بين صناديق أعماله الخيرية، ومسؤوليته المجتمعية التي يعتقد الرأي العام أنها جزء من رد الجميل.

أما آن الأوان أن ترتقي هذه الشركات في هياكلها الإدارية وتستحدث دوائر للاستدامة التي ينضوي تحت مظلتها المسؤولية المجتمعية والقيمة المحلية.

هذه قراءة في مشهد الاستدامة بفروعه، والسؤال الذي يتبادر للذهن هو كيف لنا الإصلاح يا كاتبة المقال؟، إن قلت لكم تشكيل لجنة الاستدامة تضم كبرى الشركات والبنوك، فهل ستؤدي الغرض؟ وإن اقترحت جلوس مختصي ملف المسؤولية المجتمعية والجمعيات الخيرية والاقتصاديين وأهل الحل والعقد لإعادة هيكلة الهيئة العمانية للأعمال الخيرية، فهل من مستجيب؟.

الممارسات المهنية الجيدة والفاشلة معروفة، فهل وضع استراتيجية للاستدامة حل معقول؟، وضعت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية استراتيجية، بعد أن كشفت دراسة أن أكثر من 80% من الشركات السعودية بدون إدارات متخصصة للمسؤولية المجتمعية، وهل سيكون أحد الحلول وضع ميثاق للمسؤولية المجتمعية Code of CSR؟.

الحقيقة أن بناء الاستراتيجيات تحقق الجلوس على طاولة الحوار والتواصل الفعال، لكن إن لم توضع لها خطة عمل فكأن زيدا قرر الحديث عن الغزو دون أن يعد العدة.

ومن هي الجهة المرجعية لهذا الملف، هل هو مركز الاستدامة والحوكمة؟، وأين هو مقره من الإعراب في الهيكلة الإدارية الجديدة للدولة؟.

ختاما متطلبات تحقيق اشتراطات التنمية المستدامة التي حققت السلطنة فيها نجاحا في تقريرها الطوعي الأول المرفوع للأمم المتحدة بحاجة إلى خطة عمل فورية، فهل وضع لها التمكين الإداري والفني؟.

جدير بالذكر أن شركة تنمية نفط عمان وهي الرائدة في مجال المسؤولية المجتمعية تصدر تقرير الاستدامة وفقًا لأهداف التنمية المستدامة الموضوعة من قبل الأمم المتحدة SDG، بينما قد يكون من المناسب أن تأخذ في الاعتبار منهجية المبادرة العالمية للتقارير GRI كونها جهة مستقلة مما يعزز من مصداقية التقرير.

وإذا كانت شركة تنمية نفط عمان مواظبة في إصدار تقريرها السنوي، كيف تكون باقي تقارير الاستدامة للقطاع الخاص غير المستدامة، تصدر سنة وتنقطع سنوات؟…فهل وفقنا في تفنيد بعض كليشيهات الاستدامة؟.

You may also like

Leave a Comment