لا تنويع إقتصادي بلا انفتاح

هناك تفاعل شعبي كلما برز تصريح عن ما يمكن اتخاذه لتمويل عجز الموازنة الناتج عن انخفاض سعر النفط الدراماتيكي. يظهر ذلك جليا في ردود افعال الرأي العام في مواقع التواصل الاجتماعي. و الاحتقان له أسبابه التي ينبغي أن نقيّمها من جذورها وليس عوارضها الظاهرة لنا.

سيسعد المواطن العماني لو أن هناك تنفيذا ملموسا محددا بمدة زمنية للتنويع الاقتصادي الذي سيعزز من مصادر دخل الدولة . حالياً تمثل الإيرادات النفطية نسبة 79% من إجمالي الإيرادات حسب بيان موازنة 2015م المنشور في موقع وزارة المالية الإلكتروني، والحقيقة أن الإيرادات الأخرى كالجمارك والضرائب مرتبطة بشكل أو بآخر بالأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالصناعة النفطية بما يعني أن نسبة الإيرادات النفطية تتعدى النسبة المذكورة من إجمالي إيرادات الدولة.

وحتى نأتي ببعض الحلول العاجلة البعيدة عن استراتيجيات طويلة الأمد فإنه لدينا اليوم من الأرقام الإحصائية ما يمكننا من التدقيق على المواضع الواجب النظر فيها فورا .فقد نشرت جريدة (عمان) في عددها الصادر بتاريخ 16 ديسمبر 2014 تراجع الواردات السلعية من المنافذ الجمركية (البحرية ، و البرية، والجوية) بنهاية شهر أغسطس 2014 بنسبة 13% ، حيث سجلت المنافذ البحرية (المؤاني) وحدها تراجعا قدره 23% ، وانخفضت الواردات السلعية من المنافذ الجوية بنفس النسبة (23%)، بينما في المقابل ارتفعت الواردات السلعية من المنافذ البرية بنسبة 26% ، أي أن وارداتنا لا تأتي عن طريق موانئنا ومطاراتنا بل عن طريق منافذنا الحدودية مع الدول المجاورة . هذه ارقام مخيفة أكثر من تبعات انخفاض سعر النفط .

هذا الأمر يتطلب وقفة ملية وعلى الجهات المعنية عمل ما يلزم حيال تقليل العقبات بشأن إدارة الدفة لصالح الاقتصاد العماني، وذلك عبر اتخاذ ما يلزم بحيث تُصدر الصادرات العمانية عبر الموانئ العمانية والمطارات العمانية وليس موانئ ومطارات الدول المجاورة. وكذلك الحال بالنسبة لواردات السلطنة للاستهلاك المحلي التي ينبغي أن تدخل السلطنة عبر موانئها ومطاراتها. إن موقع الخلل ليس بحاجة إلى مكاتب استشارية بقدر ما هو بحاجة إلى الاستماع إلى التحديات التي تواجه المناطق الحرة إذ إن اليوم تشرف على المناطق الحرة لجنة وزارية لم تذكر الصحافة انها اجتمعت خلال 2014م،فالمناطق الحرة لا تديرها لجان وزارية.

لابد من تذليل العقبات وإيجاد جهاز إداري يشرف على هذه المناطق الحرة واتخاذ ما يلزم لجعلها في موضع تكاملي مع بعضها البعض وليس تنافسي. ولا يعني بالضرورة خلق كيانات إدارية جديدة بل إعادة تنظيم ما هو موجود اصلا. فعلى سبيل المثال هل المنطقة الحرة بصلالة تعمل بتكامل وتنسيق مع ميناء صلالة؟ وهل وجود لجنة مشتركة سيحقق التكامل بينهما؟ إن هذا الموضوع هو إحدى نقاط القوة التي تتمتع بها السلطنة والتي انفقت على بنيتها التحتية مليارات الدولارات، آن الأوان لتجني ثمار ما زرعت.

كما أن الحوار المجتمعي المهني البعيد عن المجاملات لحسم ملف اجندة السياحة أمر لا بد منه للخروج من اللبس في موضوع الخصوصية العمانية، إذ ليس هناك شعب في العالم ليس لديه خصوصية ولا يعتز بخصوصيته. فالإرث الحضاري العماني لا مجال للتفريط به، إلا أن ذلك لا يحول دون الدخول في صناعة السياحة وإيجاد أرضية مشتركة لما يتناسب وطموحات وتطلعات الشعب العماني ، لذا فإن المرحلة الحالية تتطلب حسما لموضوع طال الجدل في شأنه.

لا يمكن بحال من الأحوال تعزيز التنويع الاقتصادي دون الحديث عن الانفتاح الاقتصادي وهنا يطرح التساؤل نفسه بقوة. هل السلطنة ليست منفتحة اقتصادياً ؟ الإجابة السريعة والبديهية هي حتماً وقطعاً السلطنة منفتحة اقتصادياً لما نراه من استثمارات حكومية مشتركة بين السلطنة ودول مختلفة، لكن يبرز على السطح تساؤل آخر هل قوانين الاستثمار تعكس التوجه نحو انفتاح السلطنة ؟ وهل لدينا مشكلة في تطبيق القوانين وتفعيلها؟ هل ينسى موظفو القطاع العام أن القوانين وجدت للتنظيم وليس للعرقلة؟

لا يأتي مستثمر إلى السلطنة إلا ويخنقه شرط التعمين، والمحطة الواحدة التي يكتشف أنها ليست واحدة بل ثلاث و أربع وربما أكثر. نعم نحن بحاجة ماسة إلى خلق فرص عمل، ولكن آلية التعمين وصلت إلى مرحلة لا ترضي المواطن ولا تخدم القطاع الخاص.. فأين المخرج ؟ أحد هذه المخارج من المؤمل أن تكون في قانون العمل العماني الجديد.

إن المخارج والحلول ليست مستعصية أو مستحيلة ولا تحتاج إلى إعادة اختراع الذرة ولكنها تحتاج إلى ارادة سياسية حازمة، وقيادات شابة توضع في موضعها الصحيح المناسب لقدراتها. كما ان المواطن العماني يجب أن يحظى بالتأهيل العلمي والفني الذي لا يؤهله فقط للعمل بسوق العمل العماني بل يؤهله للعمل في دول الجوار دون الحاجة إلى إعادة تدريبه مرة أخرى. إذ إن الحديث عنmismatch وهو عدم مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل قد كثر دون الخروج إلى حلول عملية قابلة للتطبيق مع المناداة الدائمة بضرورة اصلاح منظومة التعليم. إلا أن القاعدة التي يجب أن نخرج منها هي أن لا نبني منشآتنا ثم نقول إن العماني غير مؤهل فنبدأ باستجلاب الايدي العاملة الاجنبية. وعلى سبيل المثال هناك طفرة في الخليج سيحدثها مشروع سكة الحديد فهل سننتظر قيام هذا المشروع الضخم ومن ثم نقول ليس لدينا عمانيون مختصون في سكة الحديد أم نبدأ في تدريبهم منذ الآن؟ وهل من المجدي افتتاح التخصصات المتعلقة بهذا المجال هنا في السلطنة؟

هذه أحد أهم الجوانب ، ومما يجدر الاشارة إليه هو سلسلة مقالات نشرت بجريدة عمان عن ازمة انخفاض سعر النفط كان آخرها بعنوان (لا بد مما لابد منه ) المنشور بتاريخ 11 يناير 2015 الذي قدم خارطة طريق متكاملة لما ينبغي اتخاذه، وأهمها “ترشيق” الجهاز الحكومي الذي زاد فيه عدد الموظفين مع تراجع قدرته التنافسية 13 درجة حسب التقرير الصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي دافوس عام 2014م. ختاما أود أن أضيف أن معاودة ارتفاع سعر النفط ، لن يغني عن تفعيل التنويع الاقتصادي ، إذ إن هناك حاجة ملحة لخلق فرص عمل والتي لا تتأتى إلا بنمو اقتصادي متنوع. لقد آن الاوان في السلطنة كما في دول مجلس التعاون الأخرى لصياغة رؤية متوسطة وطويلة المدى لاستراتيجية للتنمية المستدامة عمادها استخدام العوائد النفطية في تأسيس اقتصاد متنوع ، وتوجيه استثمارات هامة للارتقاء بمهارات القوى العاملة الوطنية القادرة على المنافسة محليا واقليميا وحتى عالميا . الخلاصة ان زمن الحلول الجزئية والموسمية قد مضى ، ونحن الآن في حاجة لرؤية استراتيجية للتحول الاقتصادي والاجتماعي يدعمها جهاز اعلامي متطور و ديناميكي.

You may also like

Leave a Comment