(سلسلة مقالات لمقترحات دعم مراكز القرار بالدولة): مركز فكر عماني عالمي (3/1)

لا تكتسب دول احترامها ولا تبني سمعتها الدولية بطريق سهل مفروش بالورود، بل بمواقفها الثابتة المتزنة الواعية تماما لثمن التفرد بحمل رسالة السلام في زمن الفوضى غير الخلاقة، ولما كان للسلطنة اليوم دور متفرد في الشرق الأوسط بسياستها الثابتة والمتزنة في وقت ازدادت مآسي المنطقة على نحو لم يسبق له مثيل، فإن دورا فريدا كهذا يستحق أن يتوج بإنشاء مركز فكري think tank بمستوى عالمي يرفد الجهود الدبلوماسية العمانية ويوثق دورها حتى لا تكون محطات عابرة.

وفي ظل التحول الاستراتيجي للسياسة الأمريكية نحو منطقة الشرق الأوسط الذي ظهرت أبرز ملامحه بتوقيع الاتفاق النووي مع إيران والذي سيمّكنها من لعب دور إقليمي بالإضافة إلى تركيا وإسرائيل مما يعني تحولا جيوسياسيا للعلاقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج لم تتضح معالمه بعد. مرحلة حرجة تطرح تساؤلات كثيرة تتطلب محاولة لفهم معطياتها الراهنة و المستقبلية ومصير علاقة الحلفاء التقليدين للولايات المتحدة التي لم تعد لهم نفس الأدوار السابقة ضمن تحديات غير مسبوقة لمعرفة كيفية التعامل معها. فما هي الاتجاهات الاستراتيجية التي ستحكم الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة؟. تساؤلات كثيرة تطرح نفسها تحاول بعض مراكز الفكر في الشرق الأوسط الإجابة عنها، فهل للسلطنة على الأقل حضور في كهذا نقاشات فكرية؟

إن نجاح السلطنة الدبلوماسي الذي فرض نفسه على الساحة والمتمثل في استضافة عدد من الملفات الساخنة كالاتفاق النووي الإيراني ومؤخرا استضافة محادثات صياغة الدستور الليبي، لا بد أن يتوج بوجود مركز فكر عماني إذ أن أدوارا كهذه بحاجة إلى تمهيد وتهيئة لأرضية الاستضافة. الجهود الدبلوماسية للدول ترفدها مراكز الفكر لحاجتها لأدوار مكملة لها تروج بنوع من الحيادية للسياسات الرسمية بطرق أقل رسمية بل وتكميلية ومهمة في سبيل الوصول لتحقيقها وتكون لها شيء من المصداقية وبالتالي تكون أكثر قبولا.

هناك خطوط تقف عندها الدبلوماسية لا تستطيع الخوض فيها بحكم حساسية الدور الدبلوماسي الخارجي للدول، فالحدود التي يتحرك بها وزراء الخارجية تختلف عما يستطيع أصحاب مراكز الفكر أن يقدموه بما تقوم به، وتسهم هذه المراكز بتقريب وجهات النظر للسياسة الخارجية عبر توضيح أبعاد السياسة العمانية الخارجية في اللقاءات المعتادة لمراكز الفكر العالمية والتي هي مطابخ صنع السياسات الدولية والمؤثرة في صنع القرارات، وهو ما نلمسه في نوعية المشاركات بالمحاضرات وجلسات النقاش التي تعقد في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، كما أن لدول الخليج بالإضافة إلى مراكز الفكر المحلية لديها أفرع لمراكز فكر عالمية مكنتها من استضافة نقاشات استراتيجية. هناك حاجة إلى عدم الاعتماد على وجهة النظر الرسمية فقط حيث إن دول العالم المتقدمة لا تتعامل مع الجانب الرسمي مفردا فالمستوى الفكري والديموقراطي لها يستدعي شرح وجهات النظر على مستويات مختلفة تجنبا لمحاولة فرضهم لقالب من الديمقراطية قد لا يتناسب في بعض جوانبه مع طبيعة المجتمعات الشرق أوسطية.

تكمن خطورة الدور الذي تعلبه مراكز الفكر العالمية بسُلطتها الناعمة بإطلاق بالونات الاختبار بشكل ممنهج لمعرفة توجهات الرأي العالمي وليس عملا استخباراتيا تقليديا كما يُعتقد، وأقرب مثال لذلك عندما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية ضرب سوريا، قامت مراكز الفكر بجس نبض العالم عبر اعلام متجاوب عن احتمالية ضرب سوريا فهاجمها الإعلام العالمي، فتوقفت عن الهجوم، وأمثلة أخرى عديدة تمثل التحول الجيوسياسي للسياسية الأمريكية نحو الخليج عبر توقيت مناقشة تقرير هجمات الحادي من سبتمبر في هذه الفترة بالذات بالرغم من مضي 15 عاما على هذا الحدث، ومناورتها للمملكة العربية السعودية وما لذلك من أبعاد.

وبدلا من الاقتصار على رصد وتحليل التقارير التي تصدرها المجموعات الأربع المعروفة لمؤسسات ومراكز الفكر الغربية والمقسمة حسب اختصاصها منها ذات الاختصاص الخارجي كمجلس العلاقات الخارجية و مؤسسة كارنيجي، وتقارير المؤسسات ذات الطبيعة الإعلامية (مثل: الإيكونوميست، والفايننشال تايمز)، وتقارير المؤسسات ذات الطبيعة الاستخباراتية (مثل: ستارتفور، وحدة الاستخبارات الاقتصادية EIU)، وتقارير المؤسسات المعنية بدراسة المخاطر السياسية (مثل مجموعة Global risk insights) فإن هناك حاجة لقراءة متعمقة متبصرة Insight تتعدى الأٌطر التقليدية وقدرة على استشراف المستقبل يمتلكها أصحاب الفكر الحر، وبطبيعة الحال فإن للسلطنة حرية اختيار النموذج المناسب لمركز الفكر والأقرب لسياستها وتحديد مدى استقلاليته عن الحكومة ، آخذين بالاعتبار أن معظم المراكز الفكرية العالمية المستقلة عن السلطة الحكومية المباشرة، والمتربعة على عرش المراكز الفكرية هي في نهاية المطاف تخدم مصالح أوطانها.

هناك خارطة لأقطاب القوى العالمية تتشكل اليوم تتجه نحو الشرق أكثر من الغرب، فقوى التنين الصيني والعملاق الهندي ورجوع اللاعب الروسي بقوة في الشرق الأوسط من شأنها أن تشكل مسارات جديدة لذا فإن دول الخليج في مفترق الطرق، فليس هناك أحوج من أي وقت مضى للوقوف على مطابخ الفكر قبل وصول الطبخة جاهزة، ومن اللافت للانتباه أنه في ظل ارتفاع عدد مراكز دراسات والفكر العربية بعد أحداث ما يسمى بالربيع العربي إلى اكثر من 400 مركز في العام الماضي مقارنة بحوالي 200 في عام 2008، في إشارة إلى رغبة كثير من الدول في الحصول على تحليلات تتعدى الطابع الرسمي أو الخبري إلى قراءة أعمق لدراسة إشكاليات غير تقليدية، بينما تفتقد السلطنة لوجود مثل هذه المراكز.

إن وجود مركز فكر سيوفر للسلطنة حراكا ثقافيا فكريا وشبكة من الاتصالات بأصحاب الفكر العالمي بعيدا عن الآراء التجارية الاستشارية المكلفة في حين توفر مراكز الفكر خبرات فريدة بتكلفة لا تتعدى تذكرة السفر والإقامة، وتنشئ جيلا من المفكرين العمانيين لهم حضروهم في مراكز الفكر العالمية ونقاشات الغرف المغلقة التشاتمية Chatham House، وبطبيعة لغة المصالح فإن بعض هذه المراكز الفكرية تخدم أجندات معينة حسب مصادر تمويلها لذا تنتقي الدول مواضيع النقاش حسب ما يحقق مصالحها. فجدير بالسلطنة التركيز على مناقشة مواضيع تخدم مصالحها ذات الطبيعية الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية فليست الفكرة إضافة مراكز بحثية تقوم بدور النشر أو دار للكلام.
خلاصة القول إذا كانت الأرضية العمانية السياسية والأمنية قادرة على استضافة محادثات تمس أمن دول الشرق الأوسط، فانه من الأولي أن يؤهلها ذلك اكثر من غيرها باستضافة المفكريين العالميين، وأعرق مراكز الفكر ذات التأثير، مع التركيز على اختيار مواضيع نقاش بما يخدم وتوجهات السياسة الخارجية العمانية حاملة رسالة سلام و تسامح.
وللفكر بقية ……

You may also like

1 comment

سلسلة مقالات لمقترحات دعم مراكز القرار بالدولة | Ann ALKindi 12/09/2020 - 8:43 pm

[…] قراءة  المقال كاملا  […]

Reply

Leave a Comment