«كل التحديات معروفة، ولا مكان للتنظير، أو الدراسة، علينا بالعمل فورا، يجب أن نجد حلولا، و يجب أن نبرز جهودنا كي يعرف القاصي والداني أننا نعمل، يجب أن نبهر الجميع بما نقوم به» …… لعل هذه الجمل ليست جديدة عليك.

ما سبق هو ليس مشهدا مسرحيا بل مشهدا ينتمي إلى الواقع الذي نعايشه تقريبا يوميا ونسمع تكراره حتى في مواقع التواصل الاجتماعي، ونجنى ثماره باستمرار… قد تكون نتائج هذا المشهد فيما سبق كانت مخفية، فالنفط كان فوق الـ100 دولار، ويغطي ريعه على كل شيء، أو بمعنى أدق، كل شيء لم يكن له أن يظهر لأن النفط نهر يجري ويفيض بالدولار، أما الآن فليس هناك غطاء… فلنتعلم من حكمة أينشتاين عالم الفيزياء: ليس من الذكاء أن تكرر فعل نفس الشيء وتنتظر نتائج مغايرة.

أهو عنوان مستفز؟! فالاستفزاز أحيانا يكون مفيدا لتحريك المياه الراكدة ونفض الغبار عن عقولنا، حتى لا نقع في كمين محاولة إعادة اختراع العجلة.

يبحث المسؤول اليوم عن حلول عملية فقد تعب من التنظير!!!. و لست اقصد هنا بالتنظير ما يسمى خطأ بالفكر الأكاديمي الذي لا يمت بصلة للواقع. من أين تأتي الحلول العملية دون تأسيس علمي قائم في الأساس على التنظير Theorization، نعم التنظير أساس كل العلوم «النظريات»، ومن ضمنها بطبيعة الحال علم الاقتصاد، فالعلاقة بين التنظير والتطبيق تكاملية.

يؤسفني اليوم أن أناقش بديهيات الأمور، وإن كان ما يؤسفني أكثر هو الجدل حولها ورفضها تحت مسمى «العملية»، ولعل هذا هو سبب عدم رجوعنا إلى هيكلية المشكلة وجذورها ومحاولة حل عوارضها فندور في الحد الأدنى في دوائر إلى أن نصل إلى النقطة التي بدأنا منها إن لم يكن أدنى منها حتى أننا نغالط المصطلحات المتفق عليها دوليا.

إن تجربة لي كوان يو في بناء سنغافورة لم تكن جهدا فرديا بل يقول في مذكراته إن الخبير الاقتصادي الهولندي الدكتور وينسميوس  Albert Winsemius  Dr الذي ترأس فريق بعثة الأمم المتحدة لسنغافورة له الفضل الكبير في الأفكار الاقتصادية التي استنار بها لي كوان في بناء اقتصاد سنغافورة منها فكرة المحطة الواحدة (خلال 80-1960) ، فهو كما ذكر لم يكلفه سوى تذكرة سفر وإقامة خلال زياراته . إن التنمية كلما زادت كلفتها الاستشارية فهي بهرجة بلا مضمون.

إن أصحاب التنظير مظلومون لا مكان لهم  في بيئة تخالف أساسيات البحث العلمي وتاريخ المنطق البشري، ويتصفون بالسلبية لأنهم دائما ما يغردون خارج السرب. ما فائدة الحلول التي تطرح مادام المتلقي يرفضها لأنها لا تلقى صدى لمخزونه الفكري؟، وإلى متى نظل نجادل البدهيات؟

إن عملية النسخ واللصق للحلول من تجارب الدول الأخرى ، هي كذلك لن تحل ثلاث مشاكل أساسية في الإطار الكلي للاقتصاد:
العجز المالي
تشوه  سوق العمل
العجز التجاري

فما نحاول نحله اليوم لا يتجاوز  الجزئيات microeconomics التي تتجاهل الإطار الكلي الذي يؤثر فيها وتتأثر به. إن لذلك عواقب تضليل الرأي العام، والتشكيك بقدراته على طرح حلول بمنهجية علمية وإقصاء متعمد لدور الأكاديميين ومؤسسات المجتمع المدني  في عملية اتخاذ القرار حتى أصبح التنظير تهمة، والنقد أيضا يضعك في خانة السلبيين. إن الواقعية تفرض علينا تشخيص أسباب بقاء السلطنة ضمن نفس النطاق الذي يراوح مكانه ما بين 66 و 60 خلال (2008-2016) في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال، وإن حققت تقدما راجعا إلى إلغائها متطلبات الحد الأدنى لرأس المال للمشاريع التجارية دون تغيير ملموس في آليات ممارسة الأعمال خاصة بيئة مناخ الاستثمار.

استهانة البعض بالرأي العام لا يزيد إلا من حنقه وبعيد عن الإنصاف لحق مكتسبات النهضة التي أتاحت التعليم داخل السلطنة وخارجها، وهو أيضا ما يفسر غياب الاقتناع بوجود مراكز فكر حتى الآن في السلطنة رغم توافر مقوماتها (راجع مقال آن الكندي مركز فكر عماني عالمي المنشور في جريدة عمان).

إن قراءة المشهد العماني اليوم بعد إنشاء وحدة دعم التنفيذ والمتابعة  وتوقع ظهور نتائج برنامج تنفيذ الذي استمر نقاشه  لمدة 6 أسابيع في القريب العاجل، يهيئ لمتغيرات قادمة في الساحة تتطلبها معطيات المرحلة سواء كأزمة مالية أو بحث عن عمل. برنامج تنفيذ لن يحل العجز المالي، فما نحتاجه اليوم هو حلول لموازنة 2017 للوضع المالي القائم فالتوقعات لا تشير إلى ارتفاع سعر النفط خصوصا بعد نتائج الانتخابات الأمريكية وعدم وضوح التوجهات الجديدة. فلا بد من ترتيب الأولويات في ظل أزمة مالية، فهذه الأزمة ستعلمنا التفكير بطرق مختلفة تتعدى الاستمرار في الاقتراض والسحب من الاحتياطي . لا بد لنا من مراجعة ملف الرواتب الذي يستنزف  3.3 مليار عماني أكثر من 71% من إجمالي مصروفاتنا الجارية البالغة (4.6 مليار عماني) ، ولا يعني ذلك دعوة لتخفيض الرواتب، مثلما وحدناها دون اعتبارات كثيرة منها أن الراتب أصبح مرتبطا بالموظف وليس بمتطلبات بالوظيفة ما يعتبر إخلالا بمنطق الأشياء. المطلوب هو النظر في المصاريف التشغيلية للشركات الحكومية حيث وصفها بقطاع خاص في غير محله، وهي التي لا تضيف لخزينة الدولة بقدر ما تعمق المفهوم الريعي والرعاية الاجتماعية، مما يعني النظر في مجالس إدارتها  ومعايير الاختيار والرسوم التي يتقاضوها مقابل عدم التحسين الملحوظ.

إن إدارة الموارد البشرية مفهوم آن له يخرج من عباءته القديمة وأولوية لم تضعها الخطة الخمسية التاسعة لبرنامج تنفيذ رغم أنه سينفذ عن طريق موارد بشرية،  ورغم الدعوة الصريحة بضرورة رفع أداء الجهاز الإداري للدولة في الخطة الخمسية الثامنة.  إن المخرج حتما ليس حلا ماليا صرفا بل نظرة تكاملية برؤية اقتصادية للخروج بحل إداري مالي بالتعاون مع صناديق التقاعد، إذ لا يختلف اثنان أنه إنفاق غير مستديم. إن الخروج بباقة حلول إدارية ومالية تهدف أولا لتطوير الأداء الحكومي وخفض تكاليفه التشغيلية التي بلغت مليار ريال من شأنه أن ينعكس إيجابا على تصنيف وكالات الائتمان . وعلى عكس ما يعتقد أن ملف المرحلة القادمة هو اقتصادي بحت بل هو إداري وخاصة ملف إدارة الموارد البشرية إذ إن مخرجات تنفيذه بحاجة إلى انتقاء من ينفذها. فهل هناك اليوم قاعدة بيانات متكاملة مترابطة لموظفي الجهاز المدني للدولة يمكن الاعتماد عليها في تغذية اتخاذ القرار؟
إن مختبرات تنفيذه لابد أن تتبع بمختبرات أكثر تخصصية في التشريعات وسهولة ممارسة الأعمال بعيدة عن أي بهرجة إعلامية تعمل في صمت فما عدا تهيئة البيئة الاستثمارية يعد أمرا ثانويا إذا ما أردنا تحريك أموال المستثمر المحلي قبل الخارجي.

غير أن ذلك كله لا بد أن ينطلق من رؤية شاملة للسلطنة تبعد عن أي تجاذب للقوى قد ترى في مصلحتها تأخير إطلاقها فالصغير قبل الكبير يتساءل اليوم ماذا تريد أن تكون السلطنة؟، مركزا لوجستيا لإعادة التصدير، أم توجها سياحيا، علما أن السياحة ما هي إلا نشاط تكميلي ضمن منظومة مترابطة من الاقتصاد يخدم انفتاحها، واللوجستيات ماهي إلا أداة لخدمة النشاط الاقتصادي «الذي لا يحركه سوى بيئة جاذبة له»، فما النشاط الاقتصادي غير النفط اليوم الذي يمكن أن يعول عليه؟ . آخذين بالاعتبار أسسا علمية لتحديد الأنشطة الاقتصادية وهي على سبيل المثال مؤشر التعقد الاقتصادي Economic Complexity  الذي يقيس درجة التنوع للأنشطة الاقتصادية ودرجة انتشارها ومنها تحدد قطاعات التنويع التي جعل من قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ICT ثانويا رغم أنه الركيزة الأساسية للاقتصاد المبني على المعرفة.

إن قولبة المشكلة ووضعها في الإطار الصحيح بطرح الأسئلة الصحيحة التي تلامس أصل المشكلة دون الالتفاف حولها أو محاولة رؤيتها من زاوية واحدة حتى لا تؤذينا الصورة الكاملة والحقيقة هي المخرج لإيجاد الحلول التي لا تتم إلا في جلسة مصارحة ومكاشفة. ومن هنا فلا بد من الوقوف عند أداء السلطنة لمؤشر التعقد الاقتصادي فقد احتلت السلطنة المرتبة 70 عام 1990 والمرتبة 68 عام 2014  عاكسة جدية التنويع الاقتصادي. وعموما  نحن بحاجة إلى رابط ماهر يربط بين حلقات السلسلة كالصائغ الماهر، فلا يكفي معرفة الحلقات بل القدرة على ربط الأمور. إن التنويع الاقتصادي كثرت وصفاته دون التأكد من صحة نظرياته مترقبين الخطوات التي سيتخذها المجلس الأعلى للتخطيط بعد إصداره موجزا للخطة التاسعة.

You may also like

Leave a Comment