كلمة ٢٣ يوليو

كلمة 23 يوليو

قد لا تحس أجيال اليوم بصعوبة الماضي، وحجم تضحيات بناء

دولة من لا شيء لكنها تدرك اليوم نعمة التفرد في زمن موت الاخلاق.

آن الكندي

 

تمر بي مواقف كثيرة استذكر فيها أن ظروف البيئة التي تعيش فيها وحدها من تصقلك، هي ونوعية الشخصيات المحيطة بك. كان آخر ما استوقفني رفض ابنتي وابنة اختي الذهاب مشياً تحت هذه الشمس الحارقة لاستلام الشهادة من المدرسة التي تبعد عن البيت نصف كيلومتر مربع، هنا رجعت بي الذاكرة الى وقت درست فيه في مدارس بلا تكيف وبلا سيارة تأخذني وترجعني، وقبلي أجيال ابتعثت للدراسة في قطر وبغداد، يشهد لها اليوم بتعليمها الرصين.

الماضي لا يُذكر للتمجيد بل للتعلم منه، والبناء عليه، لم يكن سهلا بناء دولة من لا شيء في وقت تهدد الحركة الشيوعية جزءا كبيرا منه، والأمان منال صعب تحقيقه. لا نلوم أجيال اليوم إن وجدت سبل العيش الكريم متوفرة، لكنها ستُلام غدا إن لم تستطع نقل عمان إلى مرحلة أخرى بدأت تتشكل ملامحها بفعل الثورة التكنولوجية الرابعة التي باتت على اعتاب تغير الكثير من المفاهيم وربما المسلمات.

نحن أمهات واباء اليوم، من نصنع أجيال الغد، كلما أبعدنا أولادنا وبناتنا عن الاعتماد عن النفس وهيئنا لهم بيئة ظروفها سهلة كلما أرادوا شيئا وجدوه في متناول اليد فنحن نرسخ قاعدة من أستسهل الشيء زهده، كلام موجها لنفسي قبل غيري، وكلما ابتعدنا عن قيم عمانية أصيلة كالكرم، واحترام العمل، وحسن الجوار الذي لا يبرر مساعدتهم التدخل في شؤونهم واعتقدنا أن مخرجنا بوصفات معلبة من الخارج دون أن نثق بما لدينا من قدرات كلما كان بنياننا هشا، وأرضنا رخوة.

إن المقومات الحقيقة للسلطنة اليوم ليست موقعها الجغرافي، وثرواتها الطبيعية، فكم هي الدول التي حباها الله بهذه النعم، إنما السياسية الخارجية والاحترام الدولي الذي بناه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس على مدى سبعة وأربعين عاما، وبنية تحتية مستمرة التشييد. وإذ تظن أجيال اليوم أنها في برد وسلام، فذلك بفضل جهود أمنية غير مرئية فهناك حرب على حدود عمان الجنوبية، وظروف إقليمية تمنينا ان لا نرها حتى في كوابيسنا. ما أشبه اليوم بالأمس فها هو الخليج العربي اليوم على مفترق طرق وما عاد توازن القوى مثلما كان عليه قبل 5 يونيو 2017. فهم العماني قبل غيره أن الاعتماد على النفس فضيلة، وأن اللحمة الوطنية بالعمل الجاد المخلص، وبالنقد البناء، وآن أوان النقاش العقلاني في ظل ازمة مالية لم يطل أمدها مثلما طال هذه المرة في تاريخ النهضة العمانية الحديثة، هي وصفة لابد منها لعبور آمن للحاضر والمستقبل.

الفرص يقتنصها الجاهزون، فلم يعد لدينا ترف الوقت، والتريث حكمة أسيء استخدامها، ومثلما نحتاج الى فكر متجدد ودماء شابة، فلا غنى عن حكمة وحنكة الأمس. الأوطان تبنى يدا بيد دون فجوة بين الأجيال ودون صراع لتهميش الاخر، ودون غلبة فريق على فريق، ودون ضعف مدني بل بتوازن القوى الأمنية والعسكرية وتحديث للجهاز المدني، ولنا فيما يسمى بالربيع العربي دروس وعبر، ولا سبيل للوقوف في تيار فوضى غير خلاقة سوى تحصين البيت من الداخل بتطوير التعليم، وخلق بيئة استثمارية جاذبة. فكما ذكر التاريخ بجميله و مره من اسهم في بناء الوطن ، سيأتي الغد ليذكر مفترق طريق اليوم ، ومن قدم للوطن في أزماته حينما كان يوما يرتع في خيراته.

 

You may also like

1 comment

Ali Salim 21/07/2018 - 7:28 pm

. .مقال يحمل الكثير من المعاني والقيم التي يجب ان يكون عليها اي وطني غيور.. استحضر الماضي مستفكرا ما كان عليه ويستعرض الحاضر ومآلاته ويستشرف المستقبل وما يجب ان يكون عليه أداؤنا وإسهامهنا به.. رائع شكرا

Reply

Leave a Comment