في يوم الام أٌهديك يا سيدة النساء
“ما من صابر الا وبعيد النظر، ما من ظافر الا وتسكنه روح التفاؤل،
ما من محسن الا وكريم النفس…يُكتب التاريخ على يد الأمهات من خلف الكواليس”
أنحني قبل قلمي اجلالا لك يا أمي وأنا أهم بالكتابة لك وعنك. عرفت من بعد تجربة طلقات الولادة أني لن أفيك حقك يوما. عرفت من نار قلقي على بناتي أنه ليس هناك حباً صادقا بلا مقابل غير حبك. عرفت معنى الايثار ولمسته في كل مرة أترقب ايثارا ممن أحببت فلم أجد من يحب مثلك. عرفت معنى الصبر مع كل لطمات الحياة عندما رأيتك واقفةً مؤمنةً والامل يملأ عينيك وابتسامتك. غمرني معنى الاحسان عندما رأيتك تتقاسمين غدائنا وعشاءنا لمن لمستي حاجته وضيق حاله تحملينه على رأسك تحت اشعة شمس الظهيرة. رأيت تجسيد معاني الانسانية حين رأيتك تصلين المريض والمحتاج أينما ما كان وكيف ما كان. عرفت معنى الوفاء حين حرصتي على وفاء دين أبي بعد وفاته واكرام ضيوفه ووصل أصحابه البسيط منهم قبل اولي الجاه.

كم ضاقت بي سبل الحياة في تدبيرها، فوجدت حكمتك حاضرة فأنت دائما ما ترددين (يسهل لنا الله وسيلة). كم أخذني طيشي وأنا صغيرة لأرد على من أذاني ليصيبني الذهول من حٌلمك وسعة صبرك. كيف تصلين من تيقنتِ عداوته؟! فتعلمت أن الإساءة لا تٌرد، وأن بالإحسان تكسب الناس. لم أخلُص من جميلك في نفسي فربيتي بناتي، فعلمتُ أن عطاءك لا ينضب. كم رأيتك في مواقف كثيرة ظنوا فيها من تواضعك تسهل اهانتك، فتعلمت أن ما من متواضع الا وكاظم للغيظ، عارف لمقامه فلا يجادل سفيه.
كنت لا أعي وأنا صغيرة ظننت أن الحياة بعد موت ابي تغيرت، وبمرور الوقت ستتغير عادات البيت، فلم أرى يوما ينقطع الناس فيه عن مجلسك، الغني والفقير، والمتعلم، والمثقف، وصاحب المنصب والجاه، بيتك دائما عامر، فتعلمت أن لا قيمة للحياة دون عطاء. تعلمت أن مشاركة الناس همومهم وافراحهم تنسي الانسان همومه، أن العزلة تصيبه بالاكتئاب فالقوة أن تجد وسيلة اللانكسار. تخلقين الفرح حتى في أحلك الليالي، تحبين الضحك مع قلوب نقية أستبصرها حدسك فأعييتِ حُسادك.
رغم أنك جربتي كل صنوف العز يا أمي لم تكسرك نوائب الدهر، وقفتي بعزتك مثل ما تفعل الأمهات القويات، تخدم بيدها عندما يضيق الحال بها وأولادها ترددين (اخدم مع عدوك ولا يّمن عليك اخوك)، فلم أستطع يوما أن احني رأسي لحاجة في نفسي، فالعمل كرامة الانسان. نشتكي من ضغوطات الحياة وأنها تؤثر على النفسيات، فلم ترفعي يوما يدك غضبا لتضربيني بل تحملتِ كل تفاهاتي و عنادي. الدرس الذي يظل يرن في رأسي دائما عندما ترددين ” نأكل الموجود، لا نتشرط هذا نأكله و هذا لا نحبه، هذا رزق اليوم ،و وزرق الغد يأت مع الغد”، هنا عرفت أن الرضى حياة،و القناعة نعمة.
الأهم من هذا وذاك، أنك كسرتي قواعد متعارف عليها، قيمتي الناس بنبل اخلاقهم لا بأموالهم وجاههم، ساندتي تعليم المرأة وعملها كاسرة أعراف عصرك، ومفاهيم مغلوطة عن الدين. لم تدخلي الجامعات لكن لم يفتك قطار التنوير بأي وسيلة كانت، فكل يوم تنصتين بشغف مع مذياعك العتيق التحاليل السياسية و الاقتصادية من إذاعة البي بي سي و المونت كارلو، تبحثين دائما عما هو أفضل، ثم يسألون كيف تبني الأمهات أجيال قوية بقدر بسيط من التعليم إن لم يكن منعدما، و يتسألون كيف تُبنى العائلات؟!..هي قيادة الحب. يعتقدون أن قضية المرأة هي شأن نسوي، الرجل ليس معني بها، تناسوا أنها الأم عماد المجتمعات.
رأيت الناس يتمنوا خدمتك، فتعلمت أنك اتقنتِ الحب فكان لديك تسامح تحسدين عليه حتى حب بناتي لك أكثر من نصيبي. يا أمي سعيت جاهدة أن أرفع رأسك دوما وعساني أوفيت بعهدي. اعلم أن كلماتي لا تنصف مقامك فأسال الله لك العزة والرفعة دائما، وأن يعوض صبرك الجميل ما تقر به عينك.

