تأخرت كثيرا لأسطر كلمات الامتنان لمعلماتي، لم أرجع اليوم الى مراجع علمية أو أدبية لأكتب عن المعلم في يومه بل يكفيني ما لدي من مخزون عاطفي، فمخزون ذاكرتي عن المعلم يحمل معان و قيم استرجعها في كل امتحان يمتحن فيه ضميري. رأيت تفاني معلماتي العمانيات و العربيات رأيت هيبة المعلم، أحسست بطعم التعب. كم من مرات رأيت معلماتي في شهور حملهن الأخيرة يقفن على اقدامهن وانفاسهن تتلاحق لإلقاء الدروس.

من قال أن العلم يأتي قبل الادب وقبل القيم، فليصح من نومه. لم أتجرأ يوما أن يعلو صوتي على صوت المعلمة كان دخولي بعد دخولها الصف الدراسي يٌحسب له ألف حساب، هنا تعلمت الحزم وقيمة الوقت قبل أن يقال أننا نتعلمه من الدول المتقدمة. رأيت في حياتي نماذج مشرفة للمعلم العماني والعربي من مصر والسودان و من تونس و المغرب و الشام و لن انسى معلماتي الهنديات اللاتي كن مثالا للإخلاص واتقان العمل. من كان يعتقد أن دور المعلم هو التعليم فقط فقد أخطأ في حساباته، المعلم قدوة. تقلد البنت الصغيرة أمها واخواتها وصديقاتها لكن المعلمة هي من كنت احب أن اقلدها في لبسها و مشيتها و طريقة كلامها. إن زرع فيك المعلم ايمانه بقدراتك، فقد خلق فيك الثقة بالنفس، إن لم يهاودك على الغش فقد زرع فيك الإخلاص والتفاني في العمل. المعلم الحقيقي يحتويك إن ضاقت بك السبل، يعلم أنه إن تركك قد يستلمك أصحاب السوء فيضيع مستقبلك.

أدركت الفرق بين معلم مجتهد مثابر، وبين معلم شاءت اقداره أن تكون وظيفته معلما تماما كالموظف الحكومي الذي لا يدرك أنه وجد لخدمة الناس وأن طريقة تعامله تعكس سمعة الحكومة. إن كل ثانية و دقيقة يقضيها المعلم في المدرسة بين طلابه هي عمر الدول في بناء مواردها البشرية و قادة ميادينها المستقبلية، فإن لم تؤسس الدول تعليمها غلبها الجهل و الفقر الأخلاقي. إن الاستهانة بدور المعلم استهانة بمستقبل البلد، فتكريم المعلم ليس بالشكليات بل برفع شأنه كل يوم ليس فقط لغاية التكريم إنما للتذكير بجسامة مهمته. كل يوم عطاء هو يومك يا معلمتي و يا معلمي.

 أكتب في الاقتصاد والأداء الحكومي وبحثت في علم قيادة المؤسسات، فوجدت أن الاقتصاد المبني على المعرفة يبدأ وينتهي عند التعليم، وأن لا تعليم دون بناء القيم وأسس مهارات الحياة. إن المعلم الذي يحترم مهنته فقد احترم مستقبل أجيال فهو يٌسهم اسهاما اساسيا في بناء قطاعات الصحة و الاقتصاد و الهندسة و علم البرمجيات و علم الفضاء، هو ببساطة يبني الحياة. علينا أن لا نكثر الشكوى عن اهمال العمل و عدم الإحساس بقيمة الوقت إن لم نؤسس تعليمنا التأسيس القوي، فإذا كان العمل عبادة، فالمعلم رسوله و قديسه.

كتبت هذا المقال كمقدمة لتحقيق حلم طالما راودني بأن أكتب عن التعليم في السلطنة، وما زلت أحلم بأن أرى يوما مستوى مشرف للطالب العماني دونما طبقية في التعليم، حيث لا فرق في جودة التعليم بين خاص و عام. إن التربية الأخلاقية عادت مطلبا ملحا اليوم لمدراسنا كذلك دراسة الفلسفة و علم البرمجيات و قبلها الأسس الرصينة للغة العربية والإنجليزية، فنحن بحاجة الى نقلة تفوق سرعة الصوت لتلحقنا بصاروخ الثورة التكنولوجية الرابعة. ختاما أقدم شكري وامتناني لكل معلمة ومعلم توسموا بي خيراً، آملة أن أكون عند حسن ظن من درسني يوما.

You may also like

Leave a Comment