السؤال المتكرر، أين ترى نفسك بعد خمس سنوات من الآن؟ ما هو طموحك؟ البعض لديه طموح المنصب، والآخر لديه طموح التميز في مجاله. يريد أن يحصل على الشهادات العليا واللقب الأكاديمي، أو يريد أن يصبح له مشروعة الخاص، أو ربما مشاريعه الخاصة. يريد أن تكون له امبراطوريته التجارية التي لا ينافسه فيها أحد ليصبح شهبندر التجار.
ما هو الطموح؟ سؤال حيرني كثيرا، حين كنت موظفة حسبت كما هو متعارف عليه أن الترقي في السلم الوظيفي، هو غاية كل موظف إلى أن يكتشف الإنسان أن العلو في المناصب، ما هو إلا زيادة في المسؤوليات، ووقت أقل للاستماع بالحياة. فلم نسأل أنفسنا إنا كنا مستعدين لهذا القدر من التضحية، على حساب ما يمكن أن نستمتع به في حياتنا. هذا بالطبع إن كان المسؤول مدركا تمام الإدراك لتبعيات منصبه، وإذا ما كانت هناك مساءلة، أقلها من الصحافة والرأي العام، وإلا فلا بأس بشيء من الوجاهة وعلو المقام.
شعور صادم حين تدرك متأخرا أن الغاية من الحياة ليست الأكل والشرب والراحة والاستمتاع، فلابد أننا خلقنا لغاية أسمى وأجلّ
الطموح فضيلة، حتى لا يأخذنا السرد للظواهر السلبية المرتبطة بالفهم المشوه للطموح. حين يرغب الإنسان في الوصول إلى منصب ما، عليه أن يسأل نفسه لما أريد أن أصل إلى القمة؟ ما هي أهدافي التي سأحققها حين أكون في أعلى الهرم؟ ما هو الأثر الذي سأتركه في الحياة. أما شهبندر التجار، فهل يعلم أن المال وسيلة، وليس غاية. فما غايته من امبراطورية المال؟ سيتركها طال عمره أم قصر. قليل جدا من الشهبندرات من أدرك أن الترف أول ما يفسد، يُفسد أولاده فلا تكون لهم غاية إلا إثبات تفوقهم المالي. وكم من صاحب للقب الأكاديمي، الذي سعى سعيه الدؤوب للوصول إلى منصب سياسي، ليخدم العلم طموحه، بدلا أن يخدم هو العلم. المنصب لم يكن يوما إلا طموحا زائف، فالقيادة عبء لمن لا يمتلك قدراتها.
الخلاصة هي، الطموح شغف في القلب يبقيك متقدا نحو تحقيق أهدافك، إلا أن الأهداف ما لم تكون غايتها الفضائل، فلن يكون لك الأثر الذي يذكر. إسع متحليا بأخلاق المنافسة الشريفة، إجعل من يعاديك يحترمك، كن صاحب مبادئ. كوّن ثروتك فإن لم تكن لها غاية فستغرقك في ملذاتها، وتؤول إلى ورثة لم يتعبوا فيها. أتظن أن المشاريع الكبرى في الحياة لم تكن خلفها رؤى عظيمة. أصحاب الأثر العظيم كانت غايتهم أن تبقى أعمالهم إلى قرون وقرون من الزمن. أنظر حولك هل حقق مهاتير محمد في ماليزيا ما حققه، لأنه أراد الوصول للسلطة، من أجل السلطة؟ هل حققت الصين معجزتها الاقتصادية بانتشال الملايين من الفقر، لأنها فقط أرادت أن تكون قوة اقتصادية كبرى، من دون أهداف أكبر من ذلك؟ ألم يغير ستيف جوبز من حياة البشر في الكرة الأرضية، وهو القائل: «أريد أن أترك بصمتي في هذه الحياة، وأن يكون لها صدى في جميع أنحاء الكون.» يقول ابن خلدون في مقدمته العظيمة: «إن الهدم أسهل من البناء بكثير، فإذا وجدنا بناء تضعف قدرتنا البشرية عن هدمه مع سهولة الهدم، علمنا أن القُدَرَ التي أسسته مفرطة القوة». حكمة خلدونية استدل بها، حين عجز العرب عن هدم إيوان كسرى، وكم هي الآثار الباقية من عصور سحيقة في القدم لأنها أكبر من أن تهدم.
إسأل نفسك ضع أهدافك تحت كشاف الحقيقة، حتى لا يتعبك لهاث الحياة، وأنت تحسب أنك تحسن صنعا. شعور صادم حين تدرك متأخرا أن الغاية من الحياة ليست الأكل والشرب والنوم والراحة والاستمتاع، فلابد أننا خلقنا لغاية أسمى وأجلّ. ومن ليس له طموح، فلا يخدع نفسه ويقول أنا مسالم في حياتي، لا أريد شيئا، أمشي جنب الحيطة، كما يقول إخواننا المصريون، فذلك عجز نفسي عن بلوغ الآمال. من لم يخطي خطوة نحو تحقيق أهدافه فهو يعيش وهم التمني، وليس الأمل الدافع للعمل كالتمني الزائف عذر المتخاذل. الطموح يخدم رسالتك في الحياة، فما هي رسالتك؟
