التجرد شبه التام من الأنا أكثر صعوبة على النفس، وكم هو صعب تعريف التواضع، فأنت لا تعرف كم نصيبك منه. تارة أقول لنفسي يبدأ التواضع بقدرتك الاعتماد على نفسك وخدمة نفسك بنفسك، ومرة أخرى أقول قدرة الإنسان على خدمة غيره. في معابد البوذية خدمة النزلاء أو الزوار جزء من التأديب، لكننا نسينا كم تهذب تكايا الصوفية النفس.
الغريب في التواضع أن منظوره يختلف، ليس له وزن واحد، فليس الغنى سببا للبطرة وبعدا عن التواضع، لكن المادة تعمي بصيرتنا. وكم من بطر بسبب مكانته، أو علمه، أو منصبه، أو جهله. نعم فالجهل هو القاسم المشترك لمن فقد هذا الخلق العظيم. التواضع أكثر الأخلاق عمقا في الباطن، وما أكثر التواضع المزيف ظاهرا.
أن تعلو فوق زيف العلم والمعرفة والمكانة والمنصب، وتعرف أن فوق كل ذي علم عليم، وما أتيتم من العلم إلا قليل. أن لا تستهين بمن هو أقل منك مالا ومكانة بل وأقل منك علما، فلكل مخلوق إضافة تعلمك نقصا لديك. وكم من بسطاء في الحياة تعلمت منهم حسن الأدب، وحسن الضيافة، وأدب الحوار، واحترام قدرات الإنسان. هذا الخلق الحميد العظيم، أكثر مفاتيح التعلم قوة، فبدونه أنت فوق الناس ولا تعترف بجهلك، فكيف ستستمع وكيف ستتعلم؟
وهم المكانة
مررت بحالات مثيرة للشفقة من البطرة، ناس قيمتهم فيما يلبسون وما يملكون من سيارات وساعات ومجوهرات بل وحتى أرقام. أكثر الحالات إشفاقا تلك التي يسكنها الوهم، وهم المكانة وهم العلم، وهم المنصب. وما هي البطرة إلا وهم، وما هو التواضع إلا معرفة لقصور النفس. لست بمقام وضع تعريف للتواضع، لكن كان لي نصيب جميل من الدروس التي أوقفتني عند حدي.
أكثر ما يلفت الانتباه في بلاد الغرب تواضع علمائها، فهم ليسوا علماء في الدين حتى نقول صقلهم قرب الله، هم علماء العلوم الدنيوية. أحب فيهم بعدهم عن حب الألقاب، واقتناء الماركات. أحب فيهم ميزة الاستماع لأي كان، يجيدون التعلم من كل شيء. أحب فيهم رفع الكلفة، وسهولة عقد لقاء معهم رغم علو مقامهم العلمي، فلا أبواب لسكرتارية تحجب عنك، أو تسألك مئة سؤال عن سبب طلب اللقاء، وكأنه لا وقت ثمينا لدى الناس.
كم هو قوي من استطاع التغلب على الأنا في نفسه، وكم تحتاج القيادة الى هذا الخلق. قيل قديما خادم القوم سيدهم. وكم يخبرك المتواضع عن نور بصيرته، ورجاحة حكمه على الأمور فلا ينظر بفوقية بل واقعية دون غبار الغرور. وكم يحتاج النزول الى الميدان من صفات وقدرات على التعاطف فالتواضع لا يأتي وحده ترافقه الرحمة والبعد الإنساني في القرارات.
حد فاصل
التواضع حد فاصل ما بين التربع على القمة وأن تداس بالأقدام. فالمتواضع يجب أن يكون قويا لا تحركه المواقف العابرة، ولا يؤثر فيه القيل والقال. ثابتٌ دائما منصتٌ لما لا تقوله الكلمات، يقيّم بقلبه وفكره، فلديه من السكينة ما يقنص أي شاردة. المتواضع ينحني احتراما بلا تكلف لمن في الحقيقة أقل مقاما منه. وكعادة أي خلق كريم لا يرى المتواضع نفسه متواضعا.
الجاهل من يخلط بين التواضع والخنوع، وبين الضعف وترفع الكبار عن الرد. الجاهل من لم يعط نفسه فرصة ليدرك مقامات الناس فاستبق الحكم على المتواضع ببساطة فكره. صدق من قال من تواضع لله رفعه فأي تواضع ليس لله ذل وانكسار، نفاق وزيف. التواضع لا يتعلم في الكورسات الجامعية، تصفعك بها الحياة إن أكرمك الله بتجارب تفيقك من وهم رفعة المقام. التواضع صعب جدا لمن يفتقده، ويظهر زيفه بسرعة، فليس أقبح من الكِبر، إلا تواضع مصطنع. أخيرا للشعوب المتقدمة قيم ترفعها، فما هو دور السياسات العامة في ترسيخ قيم العدالة الاجتماعية، الذي بدونها يكون الحديث عن التواضع الحق ترفا، فهل لسياسات التعليم دور؟ وهل للسياسات المالية، وسوق العمل دور؟ ذلك حتى لا نقع في دوامة الخائف الذي لا يستطيع أن يرى أكثر من دور تربية البيت في ترسيخ القيم.
