ما من شك أن شعوب دول الخليج تحس تماما بحجم التغييرات الاجتماعية التي تمر بها، والظروف الاقتصادية التي تطل برأسها عند كل انخفاض لسعر النفط، إلا أن الاحساس بداية الادراك فقط. ومن الطبيعي الافتراض أن هذه الشعوب تريد للمتغيرات العالمية والإقليمية أن تصب في مصلحتها، أو تحاول على الأقل تحييد آثارها السلبية.

مضت عقود النفط، ونحن في هذا السياق تغيرت حياتنا بشكل خرافي الى أن أصبنا بالمرض الخليجي. وما من سبيل يلوح في الأفق للشفاء، إذ لم يخبرنا التاريخ عن تغيير طوعي في حياة الشعوب. كما لم يكن يوما الترف الا معطل لوضوح الرؤية، ومثبط لعزيمة التغيير كما أكد ابن خلدون مرارا وتكرارا في مقدمته المشهورة.

كيف تنظر الدول الكبرى في الشرق الأوسط وقارة آسيا وهي بلاد فارس، وتركيا وشبة القارة الهندية لرفاه دول الخليج؟ هل تراه كمرحلة تاريخية عابرة؟ إذ تقوم الدول الكبرى بحمايتها حماية لمصالحها. إما أن تقوم شعوب دول الخليج لمكافحة إدمانها الريعي، وتتخلص من المرض الخليجي، أو أن يوقظها الألم بعد فوات الأوان. تعيش جميع دول الخليج ظروفا متشابهة إن لم تكن متطابقة حتى وإن تضخمت احتياطات ثروتها. أقطاب المغناطيس تشدها من كل جانب، فيما تحاول هذه الدول في العقود الماضية ضمان الاستقرار لشعوبها والتركيز على التنمية. وصلت هذه الشعوب إلى مرحلة من التململ بالترف، والرغبة في حدوث تغيير سياسي، إذ أن نظامها القبلي مشوه بعيد عن العدالة الاجتماعية.

مقومات الاعتماد على النفس مفقودة في الحياة والتعليم، لذا ستعيش دول الخليج نوبة من الصراع النفسي إن حاولت التغلب على ادمانها النفطي. هنا لا ينفعها إلا رؤية غير تقليدية للتغيير الاجتماعي، وصلابة قيادية لبناء النشء مما يتطلب أن يغير الآباء انفسهم أولا. أسلوب الحياة الخليجية لا يبشر بقوة ومتانة البنية المعرفية والادراكية، به من المفاهيم المغلوطة الشيء الكثير. والحديث هنا عن الترف كأحد أعراض المرض الخليجي الذي يختلف عن ما يسميه الاقتصاديون المرض الهولندي، إذ أن ترفنا تكلف في تكلف. ديون شخصية كبيرة، ومعيشة فوق القدرة والامكانية للظهور بمظاهر خادعة، فأليس هذا تطرفا في الترف؟.

مضت عقود النفط، ونحن في هذا السياق تغيرت حياتنا بشكل خرافي إلى أن أصبنا بالمرض الخليجي

ستربح الدول الخليجية التي تتخذ اليوم موقفا صارما نحو تبني التغيير فلا علاقة لذلك بحجم احتياطاتها المالية. هناك أجيال بحاجة للإحساس بمعنى للحياة، وذلك لا يوفره سوى السعي نحو الأهداف النبيلة، وتقديس لقيمة العمل. الشعوب المستهلكة لكل شيء المادة والخدمة تعيش تعطلا فكريا يحرمها من التقدم الحضاري، ويسلبها ميزة تراكم الخبرات.

الإصلاحات الاقتصادية ليست هي الحل الوحيد التي تحتاجه هذه الدول، بل ثورة في التعليم وبناء القيم. هذه الدول يجب أن تعي معنى الحرمان من الرفاه حتى تحترم قدسية العمل، وتتخلص من أمراض الوجاهة وزيف الأهمية والمكانة. بإختصار لم يعد النموذج التنموي صالحا لظروف الحياة، ولا يتناسب مع حجم التطور والتحديات المصاحبة، فإذا كان هناك سؤال ينبغي أن نبحث عن إجابة له، فما هو النموذج التنموي البديل الذي يمّكن دول الخليج من الدخول في مرحلة أكثر تقدما فكريا وحضاريا؟

يأخذ التغيير عادة عقود من الزمن إلا أننا وصلنا مرحلة التسارع، ورؤية بعض الآثار التي لم نحسب أن نراها يوما. الأجيال التي تبحث عن عمل ولا تجده لن ترحم أحدا، فالجميع يريد نصيبه من ثروة النفط. الحل في الشفاء من الادمان والعيش بحكمة في مرحلة ألمه الى أن ننشئ أجيالا مغروسا في دمها الاعتماد على النفس. سيكتسحنا طوفان الثورة التكنولوجية، والتغيير المناخي الذي لا نحسب له حسابا اليوم، والتحلحل السياسي لدول الشرق الأوسط التي ذاقت ويلات الحروب. من سيتخذ اليوم القرارات الصعبة هو الرابح، من سيتوجه نحو بناء خطوط موازية متقدمة بالإضافة الى الاقتصاد التقليدي لبناء القطاعات الجديدة في الاقتصاد الأخضر والطاقة البديلة هو من يؤسس التأسيس اللازم للمستقبل القريب.

من ينغمس في الإصلاحات التقليدية كالحوكمة الشكلية، ومحاولة إرضاء الشعوب فاستقرار بلاده مهدد، ذلك أن الشفاء من الإدمان يتطلب رحمة حكيمة، لا اشفاقا مخربا. المتغيرات الإقليمية السياسية غير مسبوقة وتعدت مرحلة الطبخ الهادئ، وقرُب سكب الأطباق لنذوق طعم ما طبخناه بأنفسنا وما طُبخ لنا. سنوات بسيطة معدودة حتى نرى انقلاب الموازين في الشرق الأوسط وشبة الجزيرة العربية إن لم تكن فترة اقل من ذلك. اصرارنا على عدم المساس بالمسلمات والتركيز على طقوس الدين دون قيمه لتقويم الذات سنجني عواقبه بقسوة في الأجيال القادمة من التفكك الأخلاقي. تطرح مراكز الفكر والبحوث الكثير مما قد يجعل طرح هذا المقال مكررا ولا جديد فيه. ينفي الواقع الذي أحدثته جائحة كورونا هذا التكرار، إذ أنه اعطى فرصة غير مسبوقة لإعادة النظر والحسابات. كانت جدتي رحمها الله تقول «الدواء الذي لا يوجعك ليس بدواء». من لديه الجرأة على المصارحة؟، ومن هي الدولة الخليجية التي لديها شجاعة شرب الدواء المر؟

You may also like

Leave a Comment