شَقُّ الديارِ عِلْمٌ

«شَقُّ الديارِ عِلْمٌ»

مثلٌ سودانيٌّ يُقال عن السفر، ولأنه من اللهجة السودانية القديمة، فإنه يحمل بلاغةً تشبه ما كانت عليه لهجتنا قبل أن نُؤنجلزها*. وقبل أن ندخل في بلاغة المثل، نقول: السفر تعلُّم. نعم، تعلُّم؛ وفي التعلّم سلوةٌ للقلب، وتفريجٌ للهم، وفتحٌ للأفق. كلُّ هذا في السفر، فلا يمكن اختزاله في فندقٍ فخم، أو تسوّق، أو صورٍ للمطاعم والمقاهي ومنافذ التسوق.

السفر أكبر من ذلك بكثير؛ أكبر من التكرار الذي نعيش فيه فيضيق الأفق، وأكبر من المشهد المألوف الذي يحيط بنا، وأكبر من الطعام والشراب والملبس وعادات الحياة المتكررة. أصبح السفر متاحًا، بما سهّلته التكنولوجيا. ومن لم يسافر ويتعلّم، فقد يبقى حبيس المحيط نفسه والأفكار نفسها. ولا يعني ذلك أن السفر محصورٌ في الخروج من البلد؛ فالسفر يكون داخله أيضًا: في شرقه وغربه، وسهوله وجباله، ووديانه وبحاره.

نعود إلى المثل السوداني الذي قاله لي شابٌّ سودانيٌّ. فـ«الشَّقّ» في اللغة يعني الخرق، ويعني أيضًا المشقّة؛ فهو يجمع المعنيين: شقَّ السير، ومشقّةَ السفر. أمّا «الديار» فتحمل في معناها المدن والقرى والتجمّعات الإنسانية بكل صورها. وأمّا «العِلم»، بكسر العين ــ وهكذا نطقها الشاب على نحوٍ صحيح ــ فهو عكس الجهل. ويكفي أن نعرف العِلْمَ بأنه عكس الجهل حتى نترك لخيالنا أن يسبح في كل ما قد يفوتنا من معرفة. فحب الاستكشاف فضيلة، والتقوقع جهالة.

لا يكفي أن تسافر من دون أن تجرّب طعام أهل البلد، وأسواقهم، ومساجدهم، ووسائل نقلهم. عش حياتهم، بقدر ما تستطيع، حتى يتسنّى لك أن تتذوّق طعم المعرفة، وأن تكتشف كلَّ شيء جديد ما كان لك أن تعرفه لولا السفر. لا تعش حياة السائح فقط؛ فهناك قوائم طعامٍ مُعَدّة سلفًا لمن لا يجازف حتى بتغيير طعم طعامه. وللإمام الشافعي قصيدةٌ متداولة عن السفر، أحب منها هذا البيت:

سافِرْ تَجِدْ عِوَضًا عَمَّنْ تُفارِقُهُ
وَانْصَبْ فَإِنَّ لَذِيذَ العَيْشِ فِي النَّصَبِ
— الإمام الشافعي

لذيذ العيش عند الشافعي في النَّصَب. والنَّصَب في اللغة هو التعب والعناء المصاحب للسعي في طلب المقاصد، فلذة العيش تأتي بعد السعي والتعب. فمن يرى أن السفر راحةٌ واستجمام فله ذلك، لكن الفنادق الخمس نجوم لن تذيقك دائمًا طعم الحياة الحقيقي؛ لأنك قد تعيش داخل زخرفٍ يحجب عنك ما حولك. والزخرف في القرآن الكريم سورة بأكملها، ومعنى الزخرف البسيط هو الزينة الظاهرة. ووردت آيات بها نص الكلمة الصريح، فهو كتاب الله الكريم الذي يدعو دائمًا للتفكر والتدبر. فكيف لك أن ترى الأمور على حقيقتها وأنت محاطٌ بكل أسباب الراحة والترف؟

والسفر في اللغة هو قطع المسافة والارتحال، غير أن الجذر اللغوي يحمل معنىً أعمق؛ فـ«سَفَرَ الشيءَ» يعني كشفه وأزال ما يغطيه. ومن هنا قيل إن السفر يُسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، أي يُظهرها ويكشف حقيقتها. فإذا أردت معرفة باطن الناس، قيل: جرّبهم في السفر وفي معاملات المال. وكذلك هي اللغة العربية؛ تبهرك في عمقها حين ترجع بجذور الكلمات إلى أصول معانيها. فإذا كان للسفر هذا العمق في المعنى، فقد نجده فيما قاله حُجّة الإسلام الإمام الغزالي:

«والسفر سفران: سفرٌ بظاهر البدن عن المستقرّ والوطن إلى الصحارى والفلوات، وسفرٌ بسير القلب عن أسفل السافلين إلى ملكوت السماوات».
— الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين

فاختر لنفسك السفرين، ودع الأول يُفضي إلى الثاني. وقد أفرد الغزالي لآداب السفر قسمًا كاملًا في كتابه «إحياء علوم الدين»، لمن أراد أن يحيي قلبه بعلوم الدين.

ختامًا، فليس بعد كلام الله كلام:

﴿ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ﴾
[الذاريات: 20]

* نُؤنجلزها: أي قبل أن تطغى عليها الإنجليزية.

نُشر هذا المقال أولًا على
LinkedIn
— بقلم آن الكندي

You may also like

Leave a Comment