الترحال أم مكوث المألوف؟

وما هو الترحال؟ أأن تحزم حقائبك وتذهب؟ هل فكرتَ يومًا أن ترتحل من أجل العلم؟ لا أقصد الشهادات، ولا أقصد الترحال لطلب الرزق، فذلك متعارَف عليه. أقصد أن تقابل عالِمًا، أو تحضر محاضرة، أو تتعلم حرفة.

في سفري رأيتُ شبابًا جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ*؛ عملوا حتى يوفّروا نفقات دخول الجامعة، في وظائف بعيدة عن تخصصهم. أتقنوا لغةً صعبة المراس لم يكن لهم بها عهد، حتى حققوا حلمهم. درسوا مجالات صعبة كالطب بلغةٍ غير الإنجليزية، وليس لهم سند ولا عون. فهل فكرتَ يومًا، حين رأيتَ الباب مقفلًا، أن تبحث عن مفاتيح أخرى؟

في مرة من المرات أراد أحد الشباب أن يدرس التمريض، ولمجرد أنه لم يُقبل لم يفكر أن يذهب إلى الفلبين مثلًا. نعم، الفلبين التي نجحت في تخريج أفضل الممرضين، وكان ذلك سيكلّفه مبالغ بسيطة.

الهنود من أكثر الشعوب استحقاقًا لرفع القبعة لهم في الاستثمار في تعليم أولادهم، وبذلك ينقلون عائلاتهم من الفقر إلى الطبقة الوسطى، ثم إلى الأعلى فالأعلى. وليس ذلك لأنه لا يوجد غير الهنود ممن أدركوا أن المستقبل في تسليح أبنائهم، لكن تفانيهم يُضرب به المثل: رواتب زهيدة ومصاريف بسيطة إلى أن يقفوا على أقدامهم، ثم تراهم في أمريكا وأوروبا العجوز.

نحن هنا في دول الخليج لربما بتنا نخشى الترحال، واعتدنا ما لم يعتده أجدادنا ولا أجداد أجدادنا. وما رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ؟! أليست تخليدًا قرآنيًا للترحال في طلب الرزق؟

وفي المقابل، تسجّل دول الخليج أعلى مستوى عالميًا في تحويلات العاملين إلى الخارج، بنحو 161 مليار دولار في عام 2025، متخطيةً الولايات المتحدة (107 مليارات). دول الخليج أرض الفرص وأرض التمكين، وفيها من الخير الكثير، لكن ربما بدأ أبناؤها الآن يدركون أنهم محظوظون أكثر من غيرهم. يبلغ عدد سكان دول الخليج نحو 62.8 مليون نسمة، وتشكّل الفئة العمرية في سن العمل (15–64 عامًا) نحو 76.7% من إجمالي السكان، وفق إحصاءات عام 2025. في حين يعمل 27 ألف مواطن خليجي فقط في دولة خليجية غير دولتهم، وتتصدر الكويت بنحو 8 آلاف خليجي، تليها المملكة العربية السعودية بنحو 7.7 ألف.

161 مليار $تحويلات العاملين من الخليج إلى الخارج (2025)
62.8 مليونعدد سكان دول الخليج
76.7%نسبة من هم في سن العمل (15–64)
27 ألفًافقط من المواطنين الخليجيين يعملون في دولة خليجية أخرى

من لم يأخذ بالفرص فإنها لن تأتيه جاهزةً مجهّزةً، كطبق الفاكهة المقشّر. باستطاعته أن يلوم التشريعات والتسهيلات، و… و… و… والحريّ بالإنسان أن يسأل نفسه أولًا.

والترحال ليس هجرة، بل حركة متجددة في طلب العلم والرزق، وعكسه المكوث. وكذلك الربض؛ فالرابض كالإبل البارِكة، لاصقةً بالأرض لا تكاد تفارقها.

وكم من أثرياء الخليج ارتحلوا قبل عصر النفط، ثم عادوا إلى بلدانهم جاهزين للفرص التي أتاحها النفط.

فمن الذي سيرتحل؟

نُشرت هذه التدوينة أولًا على LinkedIn — بقلم آن الكندي

جميع البيانات مأخوذة من إصدارات المركز الإحصائي الخليجي (مسقط).

* ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: 9]: تعبير قرآني يعني أنهم قطعوا الصخر وخرقوه ونحتوه في الوادي حتى اتخذوا منه بيوتًا ومساكن. والمسافر يجوب الأرض؛ يقطع مسافاتها، ويخرج عن مألوفه، ويفتح لنفسه طريقًا إلى معرفة جديدة.

You may also like

Leave a Comment