السقف الزجاجي العماني

السيدة الجليلة حطمت السقف الزجاجي العماني

(السقف الزجاجي Glass Ceiling ) : مصطلح سياسي يصف الحاجز غير المرئي الذي يحول دون تقلد المرأة مناصب قيادية رغم كفاءتها وربما تفوقها على الرجل في بعض المجالات.)

يمكن متابعة الموضوع على الهاشتاج

مقال منشور في جريدة عمان
بتاريخ : 8 مارس 2016

سيكتب التاريخ أن صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم هو أول زعيم عربي أقام عرضا عسكريا نسائيا في نوفمبر من عام 2011، إلا أن هذا الحدث التاريخي لم يُعط حقه من الأهمية، إذ لم يُحلل التحليل السياسي والاجتماعي الذي يقف عند مضامينه الواضحة وأبعاده المستقبلية.وقوف جلالة السلطان مؤديا التحية العسكرية لطابور صف نسائي لهو مشهد أبلغ من أي كلام يُقال، فالعبرة بالأفعال لا بالكلمات. إن فحوى العرض العسكري تكمُن في كونه رسالة للداخل والخارج أن عمان ماضية قدما في تمكين المرأة وأننا دخلنا عصرا جديدا من الحداثة، وان العرض العسكري مقدمة لقفزة نوعية أخرى.

اكتب هذا العمود في يوم المرأة العالمي وقد وصلت المرأة العمانية حتى يومنا هذا في مناصب قيادية بدرجة وزير، إلا أن هذا لم يحدث بين ليلة وضحاها. فهناك نهج متدرج مدروس لتمكين المرأة بدأ منذ اليوم الأول في النهضة العمانية آخذا في الاعتبار أعراف المجتمع العماني. بداية تمكين المرأة العمانية هو مساواتها بأخيها الرجل في حقها بالتعليم، واليوم بلغ إجمالي عدد الطالبات العمانيات المقيدات في سجل مؤسسات التعليم العالي (62) ألفا مقابل (50) ألف طالب للعام 2012/2013. هذه هي نتائج تراكمية على مدى أكثر من أربعة عقود لتمكين المرأة علميا، مما يعني أننا لن نتحدث في السنوات القادمة عن محو الأمية خصوصا إذا ما قررنا إلزام التعليم.

القفزة النوعية الأخرى في تمكين المرأة هي إعطاؤها حقيبة وزارية سيادية. فالدول المتقدمة عندما تعين امرأة في منصب وزير الخارجية أو وزير الدفاع أو وزير المالية ليس تعيينا سياسيا فهذه دول لا تحتاج أن تثبت للعالم الثالث أنها بلدان غير عنصرية بل هو توظيف للمهارات النسائية في دهائها الدبلوماسي، أشار لها القرآن الكريم منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة. كما أن هناك دراسات علمية عديدة تثبت تفوق المرأة بقدراتها العقلية والفكرية، وحتى لا نخوض في هذه الدراسات العلمية ومدى صحتها وندخل في جدل طويل، فقد خلد القرآن الكريم موقف بلقيس ملكة سبأ إذ رفضت أن تستبد برأيها وطلبت المشورة من الملأ (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ) في إشارة إلى حنكة المرأة السياسية. وقد أكد لها نخبة مستشاريها (الملأ) ثقتهم بقدراتهم العسكرية وتركوا القرار النهائي لها (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ). إن دخول جيوش جرارة إلى مملكتها يعني نزع ملكها وخضوع شعبها فهي لا تعرف النبي سليمان رغم انها وصفت كتابه بالكريم (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) فقالت بحكمة خالدة (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) وقد أكد القرآن الكريم على حكمتها بقوله تعالى: (وكذلك يفعلون).

تمثل المرأة العمانية اليوم 47% من القوى البشرية العاملة في الخدمة المدنية بفضل التوجيهات السامية، إلا أن الأرقام تتحدث عن واقع يريد له صاحب الجلالة أن يكون أفضل من ذلك بكثير فبينما تكاد المرأة أن تمثل نصف حجم القوى العاملة بالخدمة المدنية، في حين نجد نصيبها من المناصب القيادية التي تُركت لقرار المسؤول دون الطموحات؛ إذ بلغت نسبة المرأة العمانية بدرجة مدير عام 8.6% (15 امرأة مقبل 184 رجلا)، و(0%) بوظيفة رئيس مكتب وزير، و(0%) بوظيفة رئيس دائرة، ونسبة 9% في منصب مدير دائرة (138 مديرة مقابل 1374 مديرا) ناهيكم عن الأرقام البسيطة جدا في عضوية المرأة بمجالس الإدارة، والتي حتى الدول الأوروبية نفسها تضع نظام الكوتة لضمان تحقيق فرص متعادلة تمكن المرأة الطموحة والمتمكنة من الحصول على مقعد في مجالس الإدارة.

هذا الواقع يجعلنا نتطرق إلى السقف الزجاجي Glass Ceiling وهو مصطلح سياسي يصف الحاجز غير المرئي الذي يحول دون تقلد المرأة مناصب قيادية رغم كفاءتها وربما تفوقها على الرجل في بعض المجالات. إن مؤشر السقف الزجاجي Index Glass Ceiling له تسعة معايير من ضمنها عدد المقاعد النسائية البرلمانية، ونسبة إعداد المرأة في المناصب القيادية، وإجازة الأمومة. يبدو أن السقف الزجاجي العماني سميكا من الارقام السابقة، وفي أحدث تقرير لمنظمة العمل الدولية ILO الصادر في بداية هذا العام بعنوان المرأة في عالم المال والادارة Woman in Business and Management بلغ ترتيب السلطنة لنسبة النساء من في مستوى مدير (للقطاع العام والخاص) في ذيل القائمة بترتيب 101 من بين 108 دول.

يبدو أن مشوار تمكين المرأة طويل، وعلى العمانية أن تظهر قدرتها في التغلب على ما يعترضها من عقبات وأسقُف زجاجية، كما عليها أن تتعلم كيف تساند أختها المرأة مثل ما يفعل الرجل مع أخيه الرجل. ونأمل من المسؤول العماني أن يتّشرب من الفكر الريادي لصاحب الجلالة السابق لعصره وأوانه ويحول تمكين المرأة إلى ممارسة وتطبيق وليس ردود أفعال لتوجيهات جلالة السلطان. وحقيقة أقول ليست المرأة بحاجة إلى جوائز لتكريمها إذا ما أردنا تمكينها، بل إن الجائزة يجب أن تُمنح للرجال المسؤولين الذين مكنوا المرأة العمانية، لخلق ثقافة تمكين المرأة قبل كل شيء.

 

 

You may also like

Leave a Comment