يمكن متابعة الموضوع على الهاشتاج
لابد من إشعال نار الطموح الخابئة في الاقتصاد العماني، فنحن أقرب ما نكون إلى انتهاج سياسة معايشة الواقع دون النظر إلى مكامن قوتنا.فعندما يكون هدفنا الحفاظ على ما حققناه على مدى العقود الماضية دون الحديث عن احداث قفزة نوعية للنمو الاقتصادي، فإننا في عِداد المتراخين.ألم يخطر ببالكم أن تكون السلطنة مركزا ماليا؟ تماما مثل ما فعلت سنغافورة منذ أكثر من أربعين عاما عندما كانت جزيرة للصيادين.ولماذا نذهب بعيدا، فنحن على بعد بضعة مئات من الكيلومترات من دبي والبحرين كلاهما نجحتا في أن تكونا مركزا ماليا.
هل هو سؤال مضحك؟ يبدو حُلما بعيد المنال أن يكون لدينا مركز عمان المالي العالمي.ورغم ضخامة اقتصاد المملكة العربية السعودية اقليميا، الا ان اعلانها لتأسيس مركز مالي عالمي جاء فقط في عام 2006 خلال ندوة «بناء المستقبل»، لمساحة تبلغ 1.6 مليون متر مربع شمال العاصمة الرياض.
فأرجو أن لا يفوتنا السبق، وليكن لدينا طموحات تعانق السماء ونضع مخططا لحُلم المركز المالي في المدينة الجديدة بحي العرفان في العاصمة مسقط.فإذا ما رفعنا سقف طموحتنا وهو أمل يحدو الكثير من الشباب الطامحين، واجرينا دراسة لإنشاء مركز مالي عالمي في السلطنة ستظهر لنا أوجه القصور التي تحول دون ان يكون للسلطنة مركز مالي، وستضع النقاط على الحروف، ولكن هل لدينا في الأصل جرأة في الطموح حتى يخطر ببالنا لماذا لا نكون مركزا ماليا عالميا؟ إن صاحب هذا الطموح حتما سيرى نفسه قد شطح بعيدا في بيئة اعتادت على الفكر التقليدي التي تستهجن الطموح، هذا إذا ما كانت ستعاديه في بعض الحالات لأنه سيخرجها من ما اعتادت عليه وهو ما يطلق عليه في علم إدارة التغير(Out of comfort zone).ومن التناقض الصارخ، ان ينجح القطاع المصرفي العماني في التعمين الذي تعدت نسبته 90%، خالقا جيلا جديدا طموحا لا يتفق وتوجهات القيادات ذات الفكر التقليدي المتحفظ، إلا أن أياً من القيادات العمانية الشابة لم تتح لها الفرصة ان تتولى قيادة البنك المركزي العماني.
نحن اليوم أمام سؤال استراتيجي، هل أسهم القطاع البنكي العماني في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة؟ إن الاجابة على هذا السؤال تتطلب استعراضا لحقائق مالية واقتصادية مدعمة بالأرقام الرسمية، فللأرقام ميزة أنها تتحدث عن نفسها دون مغالطة.
تظهر الارقام أن نسبة القروض الشخصية من اجمالي حجم الائتمان (إي من اجمالي القروض البنكية الممنوحة) حتى ديسمبر 2014 بلغت 40% مما يعني أن هناك شريحة كبيرة من المواطنين تحت طائلة الدَين، في حين جاءت نسبة الاقراض لأغراض التنمية الاقتصادية بنسبة ضئيلة جدا.
فعلى سبيل المثال بلغت نسبة الاقراض لقطاع الصناعة 8%، و10% لقطاع الانشاءات من اجمالي الائتمان المصرفي لعام 2014 حسب بيانات البنك المركزي العماني.
مما يجعلنا نتساءل عن دور السياسات النقدية لخلق عادة الاستقراض من أجل الاستهلاك وليس الاستثمار وهو أمر خطير في بناء اقتصاد الدول.
قد يقول قائل إن العماني مستهلك وليس مدخرا، لا أظن من العدالة في شيء إلقاء اللوم على المواطن العماني خاصة عندما نعلم أن هناك 118 الف عماني يتقاضى كل منهم راتبا أقل من 300 ريال مسجلين في هيئة التأمينات الاجتماعية حسب إحصائيات عام 2013.
فهل هذه القروض كانت لغرض العلاج، أم لغرض الاستجمام، أم لشراء مركبة، أم لغرض التعليم، خاصة عندما نعلم وعلى سبيل المثال أن البعثات التعليمية الخارجية الممولة من وزارة التعليم العالي بلغت 777 فقط لعام 2009، مما كان يضطر الاسر العمانية إلى تمويل تعليم ابنائها حتى تحسنت اوضاع البعثات الخارجية فقط بعد 2011 لتصل إلى أكثر من ثلاثة آلاف في عام 2013.
كما نشرت صحيفة أوبزيرفر Observer الناطقة باللغة الإنجليزية في سبتمبر 2013 أن عدد العمانيين المرضى الذين يتعالجون في الخارج بلغ 60 الف عماني فقط في مملكة تايلند، بينما مولت الحكومة 1372 حالة علاجية حسب بيانات وزارة الصحة لعام 2013.
يبدو ان مصطلح (الشعب المديون) مثل ما اطلق عليه الرأي العام لم يأت من فراغ، خاصة وأن سقف الفوائد على القروض الشخصية عال جدا خلال العقود الماضية فعلى سبيل المثال سقف الفائدة عام 1999 بلغ 13% وانخفض تدريجيا الى أن وصل 7% و6% في عام 2013، علما بأنه يفترض أن يكون سعر الفائدة قريبا مما هو عليه في الولايات المتحدة الامريكية كون أن الريال العماني مرتبط بالدولار الامريكي حيث بلغ سعر الفائدة على الاقراض بالدولار حوالي 3.3%.فهل هناك دراسة اقتصادية اجتماعية لأثر القروض على حياة المواطن العماني؟ وماهي سبل معالجة الخلل؟، خصوصا أن الاهتمام بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بدأ مؤخرا.
عانى العالم في 2008 من أزمة مالية حتى قيل إن صاحب النقد هو الملك، وهنا في السلطنة خلال الازمة المالية العالمية وحتى اليوم لدينا ارقام كبيرة لحجم الودائع حيث بلغت الودائع الحكومية 4570 مليون ريال عماني في ديسمبر 2013، و5133 مليون ريال عماني في ديسمبر 2014 حسب إحصائيات البنك المركزي العماني.كما بلغت ايداعات القطاع الخاص 11186 مليون ريال عماني، وبلغ حجم ودائع غير المقيمين 255 مليون ريال عماني.
إن وجود ودائع بهذا الحجم مؤشر في غاية الاهمية، فالسؤال الذي يطرح نفسه أين هي المنافذ الاستثمارية لهذه الايداعات؟.
أيضا يعكس ذلك عدم وجود تنويع اقتصادي حقيقي لايجاد منافذ استثمارية.
فالسوق العماني لا يطرح سوى منافذ محدودة جدا وإذا ما طُرحت تقتلها البيروقراطية وبيئة أعمال يبدو أنها مازالت تحاول تطبيق مفهوم المحطة الواحدة لجذب الاستثمار.
يجب أن لا ننسى أن البنوك هي مؤسسات مالية مهمة لخدمة الاقتصاد كما ان السياسات النقدية التي يتعبها البنك المركزي العماني تنبثق من الاطار العام للسياسات الاقتصادية للدولة.
مما يدعونا إلى ضرورة مراجعة السياسة الاقتصادية بشقيها المالي والنقدي.
فلا بد من وجود رؤية اقتصادية جديدة غير تقليدية طموحة لا يكبلها الحذر والخوف الزائدين عن حدهما. فالمهم هو توجيه هذه الايداعات التوجيه الصحيح وليس ودائع قصيرة الأمد.
إن السياسات النقدية المتحفظة جدا ساهمت في حماية اموال المودعين، وحققت سمعة طيبة للنظام المالي العماني، لكنها حتما لم تساعد البنوك على تحقيق معدلات نمو تعدتها دول منطقة الخليج.
إذا كانت الارقام السابقة غير كافية للاجابة عن السؤال الاستراتيجي المطروح في المقال، فإنه بحسب بيانات البنك الدولي تبلغ نسبة مساهمة الائتمان للقطاع البنكي العماني بالنسبة إلى قيمة الناتج المحلي الاجمالي(GDP) 36% لعام 2013 مما يجعل القطاع البنكي العماني في ذيل القائمة خليجيا وبعيدا عن متوسط دول العالم التي يبلغ نسبة الاسهام 169% من قيمة الناتج المحلي الاجمالي.
كيف للقطاع البنكي أن يسهم في تنمية الاستثمار إذا كان القانون لا يسمح له بامتلاك أكثر من 5% من رأس المال الشركة التي يُراد الاستثمار فيها، مما قيد هذا القطاع المهم عن الاستثمار واعاق البنوك عن اداء دورها التنموي.
هناك مؤشر آخر يدلل على الاسهام البسيط للقطاع البنكي في التنمية، وهو بند سهولة الحصول على الائتمان الذي تراجع من المرتبة 111 في عام 2014 إلى المرتبة 116 في عام 2015 وهو بشكل عام مرتبة متأخرة جدا علما بأن التقييم لـ 189 دولة.
وهو بند ضمن بنود مؤشر سهولة ممارسة الاعمال الصادر عن البنك الدولي.
لذا فلا يتوقع أن يساهم القطاع البنكي العماني في تمويل المشاريع التنموية الحقيقة التي توجد فرص عمل فخوفنا من الاخفاق أكبر من رغبتنا في التوسع.
كما أن هذه السياسة لم تحفز على المخاطرة، بل ساهمت في عدم وجود استثمارات شجاعة للقطاع خاص العماني الذي ينتظر الحكومة لمشاركته في الاستثمارات الكبيرة، ولنا في ذلك أمثلة.
ان هذا الجمود أدركه لي كوان يو الرئيس السنغافوري الراحل عندما قال في مذكراته: « بعد أن تركت رئاسة الوزراء عام 1990 توفر لي مزيد من الوقت للغوص في قطاعنا المصرفي، فقد كان النُقاد يكتبون أن سنغافورة تغالي في التقيد بالأنظمة والقوانين مقارنة بهونج كونج، ومن خلال اجتماعاتي العديدة مع المصرفيين السنغافوريين كان يُطلب مني اعادة النظر في سياساتنا النقدية المبالغة في الحرص والحذر حتى أنها تمنعنا من التوسع واللحاق بالمراكز المالية الأكثر تقدما، وعندما أصبحت عضوا في المجلس الاستشاري للمصرف الامريكي الضخم J P Morgan، ادركت انهم يسبقونا بسنوات ضوئية، وانه لدينا الكثير من المدخرات في خزائن بنوكنا، فقررت كسر هذا القالب العتيق، فنحن بحاجة إلى اسلوب مختلف في التفكير، وتوصلت إلى أن مدير ادارتنا للسلطة المصرفية السنغافورية لم يكن يساير التغيرات في الصناعة المصرفية، فكان لا بد من اصلاح السلطة النقدية بنفسي»
يبدو أن وضع القطاع المصرفي العماني يشبه إلى حد كبير القطاع المصرفي السنغافوري في ثمانينات القرن المنصرم.
فإما أن نستمر على نهجنا المبالغ في الحرص والحذر ولا نساير التغيرات في الصناعة المصرفية، وإما أن نكسر قالب الجمود ونسمح لفكر جديد بقيادة سُلطة القطاع المصرفي العماني.

2 comments
جميل ومنسق…ابارك لك هذا الموقع الذي يدل على فكر ثري وعقل منظم..كما احيي المصمم المتميز..
دوما في صفوف المتميزين