شمس التبريزي، شخصية الناصح الأمين المخلص و لو على جثته، وفي النهاية قُتل على يد نجل رفيق روحه. اليوم لو سألت أي حاكم عن ما يفتقده لوجدت الإجابة، الإخلاص في النصح. وليت شمس التبريزي نصح جلال الدين الرومي فحسب، بل فتح له آفاقاً جديدةً وتحداه، ليخرج منه شخصية أخرى.

لولا عمق التبريزي لجواهر الأمور في الحياة لما أصبح الرومي عالم الدين الجليل شكسبير العالم الإسلامي.هذا العالم الجليل الذي لُقب بمولانا جلال الدين الرومي صاحب الطريقة المولوية الصوفية، كيف استطاع التبريزي أن يفعل كل هذا به؟ بالطبع لم يتبع الطرق التقليدية. حطم التبريزي سمعة العالم الجليل، وجرعه السم، وأراق ماء وجهه، وهو المبجل بين الناس، وعرفه على ما يعني أن يتحمل الإنسان شعور الخزي والحقارة.

هذه تربية روحية لعالم الفقه والدين، من معلم حقيقي، فلم يكن التبريزي يعمل بدافع السلطة والجاه. «فالمعلم الصادق لا يتوقع منك طاعة مطلقة أو إعجاباً تاماً، بل يساعدك على أن تقدر نفسك وتحترمها».

كان الرومي يجادل التبريزي أنه عالم دين، ولا يمكن أن يصبح أبداً شاعراً، إلا أنه صار في النهاية اجمل الشعراء الذين عرفهم العالم، ليخرج لنا رائعته «المثنوي».

إن قصة التبريزي مع مولاه الرومي تشبه إلى حد كبير قصة النبي موسى عليه السلام والخضر، مبنية على «أن الأمور الخبيثة أوالتعيسة، هي غالبا نعمة مغلفة في شكل نقمة». وأصبحت مرافقته القصيرة للخضر من أكثر التجارب المدهشة في حياته. «هكذا هي الحياة تتشكل صداقات غير مفهومة للأشخاص العاديين، لكنها في الحقيقة تشكل قنوات تفضي إلى حكمة وبصيرة أعمق».

رأى التبريزي أن مولاه الرومي ياقوتة نادرة، ففي شخصيته عطف يمتاز به، لذا أراد أن يمنحه كل علمه. فالتبريزي يرى أن «العالم يمتلئ بأشخاص مهووسين بالثروة والسلطة أوالشهرة ،ويصبحون عبيدا لهذه الأشياء. بينما الله يريدنا أن نكون معتدلين ومتواضعين».

وقد أبعد التبريزي مولاه الرومي من كل هذا الهوس.

من الأشياء الملفتة للانتباه في شخصية التبريزي أنه كان حريصاً على التواصل مع الناس وإن كانوا الأشد كرها له، فهم لا يحبون الأسئلة التي تتحدى معتقداتهم، منطلقا من مبدأ أن المرء الذي يعتقد بان «لديه جميع الأجوبة هو أكثر الناس جهلا». وأنا أقول إن المفكرين الغربيين قالوا: فكروا خارج الصندوق، ثم مرة أخرى فكروا وكأنه لا وجود للصندوق، والحقيقة التي تنطبق علينا هي أن تكون لديك الشجاعة لكي تحرر فكرك من أي عائق أو تحيّز أو تعصب.

ما قام به التبريزي قد يعجز عنه المستشارون أصحاب المناصب، فدوره تعدى مرحلة تشخيص المشكلات إلى المصارحة بمنهجية معالجة المشاكلات، من هنا فقد حمل التبريزي مولاه جلال الدين الرومي إلى تغيير ما يجب تغيره. في حين يظل هؤلاء المستشارون دائماً مكبلي اللسان ظنا منهم أن هذا لا يغضب صاحب الفضل عليهم، لذا فالبحث عن ما يشبه التبريزي لا يجب ألا يكون بحثاً عادياً، فالشخصيات الاستثنائية لا يستطيع العاديون تمييّزها. التبريزي إذن شخصية استثنائية متفردة تحطم المتعارف عليه وتخرق بروتوكولات النفاق، وتوجد ثقافة المواجهة، فالتاريخ الشرقي حافل بقصة متكررة بقتل رسول الأخبار السيئة. فشخصية كالتبريزي تستطيع أن تقول الأمور ليست طيبة وأن الاقتصاد بحاجة إلى إعادة هيكلة، وبحاجة إلى إدارة اقتصادية وليست إدارة لدخل الدولة ونفقاتها.

علينا أن نكون واقعيين فلا يمكن أن يقترح مسؤول أن تزاح عنه صلاحيات التنفيذ وتبقى له فقط صلاحيات تشريعية، فهذا الخلط بين الرقيب والمنفذ أوجدنا في معضلة كبيرة. من يستطيع المواجهة والقول إن الجهاز الحكومي بحاجة إلى ترشيق، وأن حقن الدماء الشابة لا يكن في المناصب العليا فحسب بل في وسط الهرم. وأن هناك متنفذين في وسط الهرم كونوا تحالفات تخدم مصالحهم. ليت لدينا فسادا فنبتره كما نبتر العضو الفاسد، لكن لدينا فشل إداري تم استغلاله، فهناك فرق كبير بين الفشل الإداري والفساد.

فالفشل الإداري مرض مزمن يعيش معك مدى الحياة أما الفساد فينتهي ببتره، لذا لا علاج للمرض المزمن إلا باستبداله بجهاز جديد. لا شك أن القائد له دور مؤثر في البحث عن شخصية التبريزي وإفساح المجال له، هو قائد استثنائي. فأدبيات القيادة تشير إلى أن القائد هو من يجيد فن التأثير وصنع التغيير، فالقيادة ليست أن تقف في أول الصف فقط بل هي كما قال التبريزي: (أن لا تسير مع التيار، وكن أنت التيار). كانت هذه قراءة مختصرة لرواية «قواعد العشق الأربعون» للكاتبة «إليف شافاق»، أهداها لي أحد خبراء الاقتصاد الدوليين، الذي قال يجب علينا أن نقرأ كتباً لا علاقة لها بالضرورة باهتماماتنا المباشرة في الحياة. الكتاب هو رواية صوفية تدعو إلى جهاد النفس والأنا بدلاً عن الجهاد الخارجي (الحرب على الكفار).

You may also like

Leave a Comment