«إذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تُغلف كل باطل بغلاف ديني»

إبن رشد

رسالة من ابن رشد

تونس الخضراء التي قطعت أشواطا نحو الديمقراطية باغتها الإرهاب في 18 مارس 2015م ليزهق اثنين و عشرين (22) نفسا بريئة في نفس اللحظة التي يُناقش فيها البرلمان قانون مكافحة الإرهاب في مبناه الذي لا يبعد كثيرا عن مكان المجزرة الواقعة في متحف باردو الشهير ، فإذا لم تسلم تونس من فضائع الارهاب، إذن فمن هو اليوم بمنأى عن معضلة التطرف؟!.

لا يمر علينا يوم إلا وتطالعنا أجهزة الإعلام بأهوال الفكر المتطرف، ومن المؤسف أن منطقتنا صارت تستأثر بالنصيب الاكبر. ومن هنا لا أملك إلا أن أتأمل في تجربة عمان عبر العقود الأربعة الماضية، فلقد نجى بنا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم من أيديولوجيات وأفكار متطرفة بدأت منذ السبعينات بالحزم الذي لا هوادة فيه بالقضاء على فكر متطرف ،وثم إرساء دعائم مجتمع لا يفرز التطرف.

كان من السهل أن تنزلق عمان إلى مستنقع يشبه الذي وصلت اليه اليوم اليمن من صراع قبلي ديني لا آخر له، فالهدم دائما أسهل من البناء.

نحن اليوم في العقد الثاني من الألفية الثالثة ، وسماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي عام السلطنة يعلن عن الحاجة إلى خطة إنقاذ نُشرت تفاصيلها في جريدة عمان بتاريخ 13 مارس 2015، يُفهم من ذلك أننا في معضلة فكرية من وجهة نظر سماحته « الواجب يحتم استئصال الحمية الجاهلية والتحزب العنصري»، ونحن حقا في حاجة إلى خطة إنقاذ، فالإعلان عن خطة إنقاذ لا يكون إلا عند وقوع (كارثة ) ما.

نخرج من كابوس تنظيم القاعدة ليخرج لنا التنظيم الداعشي والذي قد لن يكون الأخير، فيبدو أن الاسباب التي هيأت إلى ظهور هذه التنظيمات الارهابية ما زالت موجودة. دائما ما تُلهينا عوارض المشكلة عن النظر في جذورها. لماذا لا تظهر هذه التنظيمات المتطرفة المتغطية بغطاء ديني إلا في الدول العربية ؟!، أو أنها تظهر في دول آسيوية بوجود قادة عرب لهذه التنظيمات؟!.

من السهل جدا اللجوء إلى نظرية المؤامرة ، والقول أن الدول الغربية تتربص بنا ، وانها هي من تمول تنظيم القاعدة في افغانستان ، مرة اخرى أقول هذه الدول تخدم مصالحها مهما كانت. فإذا كان تنظيم القاعدة يُسهل لها الوصول إلى منابع النفط في آسيا الوسطى فلن تترد في تغذية فكر متطرف ومن ثم القضاء عليه بانقضاء مصالحها. إن نظرية المؤامرة سهلة الفهم والإقناع وهي وسيلة نفسية للعب دور الضحية ، إلا انها السبب الأبرز في تخلف من يتبناها إذ انها نظرية لا تحث للبحث عن اسباب وجذور المشكلة.

لن ينفعنا اليوم إلا تحصين البيت من الداخل ، ضد تحديات غير مسبوقة، فهذه التنظيمات لا ترحم وتحاول إيجاد الثغرات في أنظمة الحكم للتأثير على الشباب. علينا أن نعي أن العولمة جعلت من العالم كما يُقال قرية صغيرة ، فالتكنولوجيا أتاحت كل شيء وأي شيء فالحاجز والسياج الاسمنتي بين الدول لن يمنع من تصدير الفكر المتطرف.

إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده ، بل برامج متكاملة تحتوي فكر الشباب، و تستغل طاقاته . فلا يمكن اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين تخُيل عدد من الشباب يتحلق حول شيخ الدين ليلقي عليهم المواعظ تماما كما في القرون المنصرمة وفور خروجهم من المسجد لا يجدون شيئا سوى ما يدعو إلى الانحراف. فما هو الحل البديل ؟

لا بديل عن مشروع فكري تنويري يمشي على قدمين احدهما فكري عماده العدالة الاجتماعية والآخر اقتصادي عماده التشغيل، فمما لا شك فيه أن البطالة هي إحدى الاسباب الحاضنة للفكر المتطرف. ولقطع الطريق امام أي تحايل قانوني لاستغلال اسم الدين لتمويل الارهاب ، فلا بد من حوكمة الأوقاف و الزكاة، بالاضافة إلى جميع التعاملات المالية الدينية لضمان وجودها تحت رقابة الدولة ،وهذا ما اشرت له في مقال سابق لي بعنوان حوكمة صندوق الأوقاف والزكاة المنشور بجريدة عمان.

كذلك يجب أن نتنبه إلى أن التنظيمات المتغطية بغطاء ديني في أفغانستان واليمن ترتبط بتجارة المخدرات، وهذه مصيبة لا يمكن علاجها إلا بالتصدي لها علميا. فالإدمان آفة لا يمكن أن نحاربها إلا بالعلاج الطبي والنفسي، وإلا ما كانت دول العالم لديها مصحات لعلاج الإدمان بكافة انواعه نفتقد إلى وجودها في السلطنة.

لا بد من الوقوف والتأمل في كيفية تحصين البيت من الداخل، ولا يمكن ذلك إلا بتبني فكر جديد مبني على التحليل العلمي، وأهمية الأخذ بالأسباب فالله تعالى لم يخلق شيئا إلا ووضع له الاسباب ، والتعمق في التفكير بالأسباب يفضي بنا أن نُعمل الفكر الذي دعانا له الله تعالى. إن الشك هو طريق البحث العلمي، وهنا يجب أن نقف مليا عند الكلمة التوجيهية لصاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم التي وجهها لبناته وأبنائه طلبة جامعة السلطان قابوس عام 2000، مفادها اننا بحاجة إلى نقد كُل ما نُقل الينا فقد آن الأوان لأن نفتح عيوننا ونقرأ التاريخ في ضوء جديد آخذين ما فيه بعين فاحصة لنستلهم منه عبرة الانسانية الخالدة.

إن طرح حلول غير تقليدية حتما سيُقابل بالرفض والاستنكار، فلا يسعني أن أقول أن التمسك بالماضي لن يجدي نفعا في التصدي لتحديات الحاضر والمستقبل. كما يجب أن ندرس التطور الحضاري للشعوب التي تعدت هذه المراحل ، والتي تأسس فكرها التنويري على يد الفيلسوف والفقيه الأندلُسي ابن رشد Averroes (1126م-1198م) الذي خلده الغرب والذي تنبأ منذ أكثر من ألف عام بظهور تطرف فكري بغطاء ديني. علينا أن لا نكابر برفض أي فكر جديد يكون فيه قارب النجاة، فالسلطنة ليست بمنأى عن أيديولوجيات متطرفة تحيط بها من كل جانب. فهذه الدول لا تحل مشكلة التطرف بإعدام المتطرفين دينيا كما يحصل اليوم في بلدان عربية عجزت عن الخروج من دوامة التطرف الديني منذ عشرات العقود.

وأخيرا قد يعتقد البعض أن التصدي الأمني هو الحل الوحيد ولكن هذا وحده غير كافٍ، فلابد أن يكون لدينا فكر استباقي ولا ننتظر ظهور بوادر التطرف في المجتمع العماني، وإنما القضاء على الأسباب المغذية للتطرف. والاستفادة من تجارب الدول الاسلامية الواقعة في فخ التعويل على المؤسسات الدينية للخروج من التطرف عبر حثها على تشجيع الخطاب الديني المتسامح، إلا انه غير كافٍ على الاطلاق لاقتلاع فكر متأصل في التاريخ أوصلنا إلى هذا التطرف. والسؤال الذي أطرحه هل لدينا اليوم الفكر، والخيال لنكمل المسيرة التنويرية التي بدأت منذ اربعة عقود؟

رسالة من ابن رشد-1

You may also like

Leave a Comment