لدي اليوم “الحل السحري” الذي سينقلنا الى عالم المستقبل. العالم الذي تحاول عقول واضعي سيناريوهات الغد، سواء كانت شركة شل الرائدة في هذا المجال لمدة أربعين عاما أو هارفارد فجميعهم يحاولون النظر في الكرة البلورية لرؤية ماذا يمكن أن يحمله المستقبل. والحقيقة أن الابتكار في الثورة الرقمية هو من سيحدد معالم العالم الجديد مما يجعل الحديث عن النمو المستدام مبتذلا دون التركيز على اهمية الابتكار وهو ما يعني ان اي سيناريو يضع سعر النفط وحده في الاعتبار يعني استمرار اعتمادنا عليه، و للخروج من ضيق الافق لا بد من التفكير في سيناريو «عمان ما بعد النفط».

الاونكتاد UNCTAD ( مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة و التنمية) هي من وضعت “الحل السحري” في تقريرها بعنوان” مراجعة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار لسلطنة عمان” الصادر العام الماضي. فلم يبق هذا التقرير على الرغم من صغر حجمه على اي شاردة أو واردة إلا و تطرق لها، سواء كانت مشاكل التعليم ، او هيكلية الاقتصاد، أو الهيكل الإداري للدولة فهو تقرير شمُولي بمعنى الكلمة وتشخيصيDiagnostic report) ). بل أن التقرير حدد نقاط الضعف والقوة التي يمكن البناء عليها، وحدد العوائق التي تحول دون وجود بيئة تحفيزية للابتكار علما بأن السلطنة ترتيبها 85 في مؤشر الابتكار لتقرير التنافسية 16-2015 ( من أصل 140 دولة) متراجعة من المرتبة 58 ،وتنفق ما لا يزيد عن 0.2% من اجمالي الناتج المحلي في البحوث و التطوير. اخذا بالاعتبار ان متوسط معدل الانفاق على البحوث و التطوير يبلغ 2.5% من اجمالي الناتج المحلي لدول منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية OECD حيث يمول 80% منه القطاع الخاص .ولا يقارب هذا المعدل من الانفاق خليجيا سوى دولة قطر (2.7%)، وتتفوق اسرائيل عالميا بمعدل انفاق يزيد عن 4% من اجمالي الناتج المحلي. كما أنه لا يزيد متوسط معدل الانفاق على البحوث والتطوير في دول الخليج عن 0.5% من اجمالي الناتج المحلي.

وضع تقرير الاونكتاد الحلول ومن ضمنها خطة عمل تنفيذية على المدى الطويل مع اقتراح حلول عاجلة للوقت الراهن منها على سبيل المثال وليس الحصر ضرورة أن يكون للسلطنة قانون خاص بالملكية الفكرية “Intellectual Property”. وفي هذا الصدد استثمرت السلطنة مليارات الدولارات في تكنولوجيا الاساليب المعززة لاستخراج النفط “EOR” بل أن السلطنة لها الريادة في هذا المجال، إلا انه وفي ظل غياب قانون الملكية الفكرية فأنه يتعذر على الحكومة اعادة تصدير هذه السلعة الفكرية للسوق العالمي بما يحقق لها مردود اقتصادي .والمثير في التقرير انه انتهى بتوصية يكمُن فيها “ الحل السحري” مفادها “ على عمان اولا وقبل كل شيء أن تعمل على تغير التركيبة الفكرية (mindset) للإنسان العماني”. واستكمل التقرير بعد ذلك في ختام توصياته: “ وعلى الحكومة أن تتنبه لثلاثة محاور تساعدها على التنفيذ وهي : اولا التواصل ( التقرير شخّص وبشكل الدقيق حجم الفجوة في الترابط والتفاعل بين المؤسسات الحكومية، و بين الحكومة والقطاع الخاص، و بين الاكاديميين والقطاع الخاص). ثانيا الالهام ( وهي مهمة قيادات القطاع العام وضرورة وجود إعلام تفاعلي). ثالثا القيادة ( كيف يُقاد التغير؟ هناك حاجة لمهارات قيادية و ليس ادارية).

هل هناك اليوم إحصائية عن عدد الدراسات التي اعدتها كافة القطاعات في السلطنة خلال 40 عاما الماضية ولم تر نور التنفيذ؟ كم من دراسات كررت نفسها لاختلاف وجهات النظر لدى القائمين بها؟! الا يوجد آليه لتسليم الملفات عند مغادرة كرسي المنصب Handover ؟ اذا كانت الحلول تُطرح والتشخيص موجود لماذا لا يأخذ المسؤول بالتوصية وينفذ؟ هل لأنه ليست لديه قناعة؟ أم عدم اطلاع؟ أم لم يسعفه الوقت للاطلاع؟ فاذا كان الوضع كذلك فليستعن بأهل الاختصاص. الخوف من عدم وجود ثقة بأهل الاختصاص فتلك معضلة كبرى إذ ستستمر الاجتهادات الشخصية هي المعيار الاساسي في اتخاذ القرار.

لماذا علينا ان نتبنى سياسة الابتكار مثل ما اوصى التقرير، وهي نقيض الفكر التقليدي السائد؟ هل التركيبة الفكرية الحالية تتقبل هذا الفكر أم ستقاومه؟ لدينا فيروس الرضا فلا أهمية للاستعجال بالتغيير ((sense of urgency كما يُعّرف في علم قيادة التغيير.

لدينا اليوم استراتيجية التعليم، واستراتيجية السياحة، والاستراتيجية اللوجستية، وهناك استراتيجية للابتكار في طور الاعداد، أين هي الرؤية التي تنطلق منها هذه الاستراتيجيات؟ فالاستراتيجية عبارة عن آلية لتحقيق رؤية ما. اما اذا كان الحديث عن الرؤية 2020 فهي وضعت لزمان انقضى، ومعطيات الحاضر والمستقبل اختلفت اختلافا جوهريا. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن “اين تريد أن تكون عمان في 2020؟”.

ما الذي يعيق النمو في السلطنة بما ان ترتيب السلطنة التنافسي يتراجع حسب التقارير الدولية؟، هل الفجوة بين اجيال لديها خبرات متراكمة بعضهم لم يعززها بالاطلاع وجيل متعلم طموح يحتاج إلى مباركة اجيال بَنت عمان منذ السبعينات عندما كانت ظروفنا اصعب من اليوم بكثير بلا بنية تحتية ولا صحة ولا تعليم . وكيف يمكن تجسير هذه الهوة ليتحرك المركب بوتيرة اسرع مما كانت عليه في السبعينات و الثمانينات والتسعينات وحتى الالفية الجديدة؟. لم نعُد نملك رفاهية اهدار الوقت.

You may also like

Leave a Comment