التمكين بحاجة إلى تمكين

لمتابعة مناقشات الموضوع على الهاشتاق

دفعني اهتمامي بموضوع التنمية البشرية نحو التسجيل في مؤتمر « الموارد البشرية و التأسيس للمستقبل» الذي نظمته مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان عبر الإعلان الذي نُشر في جريدة عمان، وأسعدني جدا الترحاب الذي ابداه موظف مركز الدراسات والبحوث التابع للمؤسسة حيث لم يغلق باب التسجيل بأعذار مختلفة بل سهل لي الحضورعندما قال ان المركز خصص مقاعد مجانية لطلبة الماجستير والدكتوراه.

حضرت المؤتمر معتقدةً بأنه مؤتمر لا يحمل الجديد وكانت المفاجأة ، لقد طرح سعادة الدكتور إبراهيم بن احمد الكندي الرئيس التنفيذي لمؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان طرحا جريئا شفافا يعكس هموم الشاب العماني وتطلعاته. تحدث سعادته عن التعمين وآليته، عن تزايد القوى العاملة الوافدة، عن الخطط الحكومية المستقبلية لاستيعاب أعداد الخريجين الجدد، عن رفع مستوى المعيشة مُخلفا وراء حديثه العديد من التساؤلات.

مهد هذا الطرح الشفاف إلى مداخلات صادقة نابعة من القلب تتمنى أن ترى تغييرا يمكّن الشاب العماني لنراه في أعلى الهرم الوظيفي في القطاع الخاص، كما أن أوراق البحوث التي تم تناولها دعمت هذا التوجه، حيث إنها كانت استعراضا لتجارب دول عدة منها التجربة الماليزية والسنغافورية.

وبما أن المؤتمر أوصى باعداد استراتيجية وطنية لتمكين الموارد البشرية ، فالتساؤل الذي أطرحه في هذا المقال هل التجربة السنغافورية تصلح أن تكون نموذجا للسلطنة؟

حتى نستطيع الاقتراب من الإجابة على هذا التساؤل الاستراتيجي، لابد من تسليط الضوء على أبرز ملامح التجربة السنغافورية كما وردت في ورقة البروفيسور زيجر محاضر بمدرسة لي كوان يو للسياسات العامة بسنغافورة التي استعرضها في المؤتمر.
فإذا ما رأينا اليوم سنغافورة فإنها تستورد 90% من احتياجاتها، إلا انها ورغم التحديات التي فرضتها عليها الطبيعة الجغرافية تتصدر المراكز الأولى في أهم تقارير التقييم العالمية. مما يدفع للتساؤل كيف استطاعت سنغافورة أن تقفز من مرتبة العالم الثالث إلى مقدمة العالم الأول؟! حسب قراءتي الشخصية للورقة فإن الإجابة هي بسواعد أبنائها، بتبنيها سياسات حكومية محورها الأول و الأخير التنمية البشرية.

تطرقت ورقة البروفيسور إلى الجهات المسؤولة عن تعليم و تدريب الانسان السنغافوري، فوجدتُها جهات عديدة استدعتها الحاجة حسب التطور الاقتصادي السنغافوري الذي مر بمراحل عديدة إلا أن هذه الجهات اليوم هي تحت مظلة واحدة تسمى وكالة تنمية القوى العاملةorkforce Development Agency (WDA) ، وهنا يجب ان نضع أكثر من خط تحت كلمتي وكالة وتنمية.

ومما لفت انتباهي في الورقة تدرج تجربة سنغافورة في تطوير قيادات القطاع العام حيث ركزت التجربة في البداية على تنمية المهندسين والمهارات الفنية، لذا فإن أغلب من عمل بالقطاع العام هم أصحاب التخصصات الهندسية و الفنية. كما وضعت معايير صعبة لاختيار موظفي القطاع العام، ففي بادئ الأمر كانت الإجادة الأكاديمية هي معيار اختيار قادة المستقبل للقطاع العام السنغافوري و لم يكن الحصول على بعثة تعليمية أمرا هيناً!

ما أود ذكره هنا من خلال قراءتي لورقة البروفيسور زيجر أنه لم تكن هناك معايير لاختيار قادة القطاع العام في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وبتطور نمو هذا القطاع أصبح معيار اختيار القادة هو الاستحقاق والجدارة (merit).

وقد شدد البروفيسور في تقديم ورقته على كلمة (merit) مرات عديدة حيث يعتقد أن سر نجاح القطاع العام السنغافوري هو معيار الاستحقاق والجدارة لا المحسوبية. ووفقا للورقة فإن الحكومة السنغافورية استعانت بنظام تقييم الأداء للموظفين المطبق بشركة شل العالمية عام 1983 لتطبيقه في القطاع العام. كما أولت الحكومة السنغافورية اهتماما بالغا بإعداد قادة هذا القطاع بإنشائها كلية الخدمة المدنية عام 1993 التي أسهمت في بناء مهارات التخطيط الاستراتيجي والقيادة لموظفي القطاع العام . وهنا أقترح أن نضع أيضا خطوطا عريضة تحت مسمى (كلية) و(مهارات التخطيط الاستراتيجي) و(القيادة).
ولا يغيب عن بالنا أن الحكومة السنغافورية لا تستطيع اليوم الاحتفاظ بهذه الموارد البشرية للعمل بالقطاع العام بوجود المغريات المادية التي يوفرها القطاع الخاص بعد النمو الاقتصادي الذي شهدته سنغافورة، إلا بدفع أجور وتوفير ميزات مادية منافسة للقطاع الخاص.

هناك الكثير من الدروس التي يمكن أن نتعلمها من التجربة السنغافورية، وبما أنني حضرت أيضا الندوة الوطنية «التعليم في سلطنة عمان: الطريق إلى المستقبل» التي ناقشت استراتيجية التعليم وإعادة هيكلته، وهما حجر الأساس للتنمية البشرية ، فلا بد أن اتطرق إلى مسار تنمية الإنسان العماني و الوقوف على بعض النقاط الخاصة بهذا المسار حيث يمكن ملاحظة سعي الحكومة لبناء الانسان العماني عبر تكليف جهات عديدة فعلى سبيل المثال وليس الحصر تقوم شركات النفط بتعليم وتأهيل الكوادر بالتخصصات التي تحتاجها في القطاع النفطي، كما تقوم الجهات العسكرية بإعداد الكوادر البشرية التي تحتاجها في الخدمة العسكرية إلا أننا لا نرى أن هناك جهة تقوم بتهيئة قادة القطاع العام مثلما رأينا في التجربة السنغافورية التي أنشأت كلية الخدمة المدنية للقيام بذلك، ونحن في هذه المرحلة نحتاج إلى أن نرتقي بمستوى معهد الادارة العامة ليقوم بمهمة هذه الكلية.

وهناك نقطة أخرى تتمثل في قيام المجالس المعنية بالتنمية البشرية لدينا بإعداد استراتيجيات التعليم والتنمية البشرية، إلا أن هناك حاجة لتوحيد جهود هذه المجالس تمهيدا لإعداد رؤية استراتيجية متكاملة. غير أن أي حديث عن تنسيق الجهود فيما بين هذه المجالس سيدعونا للتساؤل: ما هي آلية هذا التنسيق؟. حيث إن واقع الشباب العماني اليوم يستلزم وجود خطة عمل فورية لتمكين الشباب. فهل هناك في الأصل استراتيجية واقعية للتنمية البشرية ( واقعية على حد وصف سعادة الدكتور ابراهيم الكندي)؟ وهل انبثقت من هذه الاستراتيجية خطة عمل فورية؟ وما المؤسسات المعنية بالتنفيذ؟

أسئلة كثيرة بحاجة إلى اجابة شفافة وواضحة . لكننا إذا ما أردنا أن نطبق التجربة السنغافورية ونسرع بعملية الإنجاز فإننا أمام عقبة تسمى (البيروقراطية و البيروقراطيين)، فلا يمكن تنفيذ استراتيجيات التعليم و التنمية البشرية إلا بالتغلب على هذه العقبة الأساسية. ولعلي أتساءل معكم : ما هي السبل الكفيلة للتغلب على هذه العقبة الأساسية؟ باحثة في شؤون قيادة المؤسسات.

You may also like

Leave a Comment