لماذا تدرس الماجستير؟ وتُضيّع سنة إن لم تكن سنتين من عمرك ؟ وتتكلف ماديا في بعض الاحيان حينما لا تحصل على الدعم المالي ؟ أليس أولى أن تكتسب الخبرة من العمل عوضا عن دراسة نظرية؟، هل ستدرس في بداية مشوارك العملي أم عندما تتقدم في السلم الوظيفي؟ . هل سيكون لديك الوقت عندها؟ وماذا سيضيف لك اذا كنت صاحب منصب؟.
قابلت كثيرين في حياتي درسوا الماجستير وبعض الاحيان الدكتوراه في ارقى الجامعات العالمية ، ولم ألحظ تغيرا جذريا في طريقة تفكيرهم. إن الماجستير ورقة بحثية في نهاية المطاف تعتمد وبشكل اساسي على التفكير النقدي critical thinking. فإذا لم تُكسبك دراسة الماجستير مهارات هذا التفكير كالقدرة على التحليل والتساؤل والملاحظة الدقيقة والربط بين الاحداث وبقيت بدون تغير فأنت كمن يدفع لخدمة ولا يستنفع بها. يجب أن يكون لك استقلالك الفكري فيما ترى وتسمع ، وأن تكون لديك عادة البحث للتعلم لا أن تتناقل المعلومة دونما تمحيص ، إذ لا بد أن يكون تقييمك بعيدا عن العاطفة.
تشير الدراسات إلى أن الانسان لا يولد بهذا النوع من التفكير بل هي مهارة يكتسبها من خلال رغبته الدائمة في تطوير نفسه وطريقة تفكيره. والعجيب أن أفضل المفكرين الناقدين هم من في شك دائم لأفكارهم وينقدونها باستمرار بعدين تماما عن التعصب لأفكارهم، وشعارهم الدائم» الحياة التي لا تخضع للتفحص الدائم هي غير جديرة بالعيش فيها».
أكسبتني دراسة الماجستير مهارات عديدة ، أهمها مهارة اتخاذ القرار التي يجب تتم عبر الاستعانة بالأدلة والبحث العلمي. أيقنت أن عمل الباحثين ليس بالهين، عندما كنت احس بآلام الظهر والرقبة بجلوسي ساعات مطولة امام شاشة الحاسوب لقراءة البحوث، احترمت كثيرا العمل البحثي. تعلمت أن الوقت الذي يمضي بلا قراءة واطلاع ، هو وقت مهدور. كانت دراسة الماجستير سببا في تغيير حياتي وتوجهي نحو الكتابة، فلم تكن مجرد شهادة اقتنيها.
هناك طريقتان لدراسة الماجستير الاولى يكون التقييم فيها عبر الامتحانات، والاخرى دراسة تعتمد على البحث بدون امتحانات . شخصيا ومن خلال تجربتي أرى أن الدراسة المعتمدة على البحث افضل من الامتحانات لأنها تعطيك مجالا رحبا للقراءة ولا تلزمك بحدود معينة. كما ان خلاصة تجربتي هذه تصلح لغير الاكاديمي ، فالاكاديمي تختلف اهداف دراسته عن المجال العملي.
النصيحة الاخرى التي أود أن أُسديها هي: لا تدرس الماجستير دون أن تكون لديك خبرة عملية. فالخبرة العملية ستسهل لك أولا معرفة ميولك ، وتوفر لك مخزونا جيدا من المعرفة تكّمله الدراسة وليس العكس. كما أن هناك خيارات متعددة من انواع دراسة الماجستير، فهل ترغب في التعمق في تخصص ما؟ ، أم تود شهادة فقط دون هدف محدد؟. و من المهم جدا أن تختار تخصصا تحبه خصوصا اذا لم تتح لك حرية الاختيار في البكالوريوس، فالعمل بلا شغف لا يعطي الحياة طعما. كن جادا فيما تعمل، واستفد استفادة قصوى مما تتعلمه، ولا تفكر بالدرجات بل بالتحصيل العلمي.
تريثتُ كثيرا حتى قررت دراسة الماجستير، فقد كنت اتساءل بيني وبين نفسي محاولة الاجابة على الاسئلة التي طرحتها في مقدمة المقال ، واخترت بعناية شديدة تخصص قيادة مؤسسات القطاع العام فقد رأيته مكملا لدراستي السابقة لتخصص المالية والاقتصاد ، فالمهارات الفنية التخصصية لا بد ان تُكملها مهارات قيادية و فهم عميق للعمل المؤسسي. فالاقتصاد لا يدار من قبل المحاسبين أو الماليين فقط بل دائما وكما في كل مجال يقدم المختص نصيحته بينما القرارات يتخذها اصحاب الفكر الاستراتيجي، فكلما تقدمت في السلم القيادي قلت مهامك الفنية واصبحت اكثر استراتيجية.
ما احزنني خلال تجربتي لدراسة الماجستير أنني اكتشفت ان البحوث الدراسية اصبحت تجارة رائجة. يبدو أنه لدينا تجارة مستترة حتى في التعليم خلقنها بأنفسنا، أما اننا لا نحب أن نتعب ،أو لدينا مقاييس افضل من التعليم لتقييم إسهامات الانسان، أو اننا لا ندرك حجم عواقبها على المدى البعيد. أقول لمن لا يجتهد لا تخدع نفسك، انت الخاسر، دقائق معدودة بالنقاش معك ستفضح مدى سطحية معرفتك. دائما بإمكانك أن تحدث فرقا في حياتك، أو أن تختار الكسل و الاستسلام. هذه التصرفات ليست في السلطنة فقط حتى نكون منصفين، لكن لابد من وقفة؟ وعلاج حازم؟.
ختاما، وكما افادت الدكتورة مها كوبيل عميدة كلية مجان بان وزارة التعليم العالي كانت هي الجهة التي اقنعت جامعة جلاسجو لتدريس ماجستير قيادة المؤسسات وهو تخصص جديد بحد ذاته هنا في السلطنة أود أن اشكر كل من كان له دور في ذلك ‘فلا أعتقد انه من السهولة إقناع جامعة عريقة كجامعة جلاسجو بطرح برنامج ماجستير هنا في السلطنة عوضا عن السفر إلى اسكتلندا. مما أتاح فرصة ثمينة لنيل شهادة تخصصية والاستفادة من محتوى مكتبة جلاسجو الثري في العملية البحثية.

4 comments
تعليق تجريبي على الموضوع
في مقالكي ، الجملة الاخيرة بالفقرة الخامسة: فالاكاديمي تختلف اهداف دراسته عن المجال العملي …أتفق معك وأختلف؟
أتفق معكي: كونها، واقعا محزن ومؤلم ، يشجع على عدم الابداع والاستمرار بثقافة التقليد والتجارة المستترة (كما ذكرتيها بالمقال).ـ
وأختلف معكي: كونها كما أسلفت ، أنها ثقافة يجب القضاء عليها ، حتى نتقدم وتتطور بلادنا ونفسه الذي أشرتي إليه في مقالك ( لا تنويع اقتصادي بلا انفتاح) ، وأضيف لهذا لا تنويع اقتصادي أو حل للمشاكل الاقتصادية بدون تطبيق عملي للدراسات والبحوث.ـ
ممتنة انا لمقالتك، فقد اجابت عن اسئلة كثيرة تدور في ذهني عن جدوى دراسة الماجستير، في زمن يعتبرها ورقة عبور ، قبل ان تكون ورقة عملية نافعة تطبق على ارض الواقع.
اكرر شكري
مقال جميل
اتفق تماما مع جملة “ان دراسة الماجستير مع وجود خبرة عملية مهم جداً”