الدبلوماسية العمانية والفرص الضائعة

عُمان…بلد زاخر بالمقومات، هي الجملة الأولى التي يرددها ضيوف السلطنة، ونظرات الإعجاب باديةً عليهم، ولسانهم يقول إنها بلد متفرد جغرافيا وتاريخيا. ومما أكد لهم أهمية هذه المكانة الإقليمية وسلط الضوء عليها هي المحادثات الأمريكية – الإيرانية الأخيرة والمعروفة بمحادثات (مجموعة 5+1) بحضور كاترين اشتون ممثلة الاتحاد الأوروبي ومستوى تمثيل عالٍ للولايات المتحدة الأمريكية تمثل في وزير الخارجية جون كيري.

إن السياسة الخارجية للسلطنة المبنية على الحياد والحوار، والتي ترى أن “معاداة إيران خسارة هائلة في هذا الزمن” وأن “التنوع في العلاقة مع إيران فيه فائدة للطرفين” حسب تصريح معالي يوسف بن علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية المنشور بتاريخ 9 نوفمبر 2014م بجريدة الشرق الأوسط، تجعل منها الملاذ الآمن لمحادثات بهذه الأهمية الاستراتيجية، إلا أن المتتبع لدور السلطنة الإقليمي يدرك أنه ليس بالجديد ولن تكون المرة الأخيرة التي تتم فيها استضافة بهذا المستوى، وان هذه المحادثات ما هي إلا ثمرة جهود متواصلة للسياسة الخارجية للسلطنة، غير أني في هذا المقال أطرح عليكم تساؤلاً اقتصادياً تجارياً :

أما آن للسلطنة أن تجني ثمار سياستها الخارجية المتميزة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هيئة حصاد اقتصادي تجاري؟!

إن الأجندة السياسية الخارجية قد تم تتويجها بعدة مبادرات تجارية ممثلة في افتتاح السلطنة لمكتب تمثيل تجاري لها في بندر عباس منذ عام 2005م، والإعلان عن اتفاقية  لتصدير الغاز الإيراني للسلطنة عبر أنابيب تمتد إلى أكثر من 200 كيلومتر خلال السنوات القادمة. وليست هذه المبادرات الوحيدة التي تمت في جانب التعاون العماني الإيراني ففي عام 2009 تم الإعلان عن تأسيس شركة عمانية إيرانية برأسمال 50 مليون دولار أمريكي. و في عام 2012 تم الإعلان عن دراسة إمكانية تسيير رحلة للعبارات الوطنية إلى بندر عباس. ولا يغيب عن بالنا أن هناك لجنة عمانية إيرانية مشتركة ينبثق منها عدة لجان أخرى هدفها تفعيل التجارة بين البلدين.

إن القوة الاقتصادية الإيرانية تتمثل في إجمالي الصادرات بلغ 63 بليون دولار أمريكي سنويا، وفي حال تخفيف العقوبات الاقتصادية فإن الجمهورية الإسلامية ستنتقي المنصة التجارية التي ستنطلق منها، إلا أنها وبوجود هذه العقوبات فهي بحاجة ماسة اليوم إلى منفذ آمن لتصدير واردته توفرها له البنية التحتية المُهيئة في موانئ السلطنة ومناطق تجارتها الحرة.
تنطلق اليوم الأنشطة التجارية  للجمهورية الإسلامية الإيرانية من دول الجوار، متسائلة مرة أخرى أليست السلطنة، وهي الملاذ الآمن أولى من غيرها لتكون هي المنصة التجارية للصادرات والواردات الإيرانية؟. اطرح تساؤلي هذا علما أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بصدد توقيع اتفاقية مع دولتي قطر والكويت لإنشاء منطقة تجارة حرة مشتركة بين الدول الثلاث في منطقة بوشهر واستخدام مينائي الرويس والدوحة.

يفرض هذا التساؤل نفسه عندما عقدت الدول الأوروبية بأكتوبر الماضي مؤتمراً استثمارياً في لندن لبحث فرص الاستثمار مع الجمهورية الإيرانية، حالما أعلنت الولايات المتحدة تخفيف قدر يسير من العقوبات الاقتصادية، فالدول تقتنص الفرص الاستثمارية وتخطط لها، فحالما تُرفع العقوبات الاقتصادية عن إيران فإن السوق أمامها مفتوح ولها اختيار المنصة التي تعزز معها أنشطته التجارية فالفرصة مواتية الآن للسلطنة قبل رفع العقوبات. إن اقتناص الفرص يعني أن نبني على تصريح السفير الإيراني خلال زيارة الرئيس روحاني للسلطنة في شهر إبريل من هذا العام  إذ قال: “إيران لا تريد أن تضع استثماراتها في سلة واحدة” فهي بحاجة إلى أكثر من منصة لتنويع استثماراتها جغرافيا.

علينا أن لا ننسى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية كغيرها من المستثمرين الأجانب بحاجة إلى بيئة استثمارية مرحبة، قوانين مرنة، إجراءات سريعة. وإذا ما أخذنا في الاعتبار آلية اللجان المشركة بين البلدين واللجان الفرعية المنبثقة من اللجنة الرئيسية فإن حصاد سياستنا الخارجية لن يأتي بالشكل الذي نأمُله.

إن البنية اللوجستية في السلطنة من موانئ ومطارات والتي سيعززها بلا شك مشروع سكة الحديد الذي من المؤمل أن ينتهي بنائه بنهاية 2018 بحاجة إلى استراتيجية استثمارية لتعظيم الاستفادة من بنية تحتية متكاملة ولتجنب القصور في استخدام هذه القدرة وهو ما يطلق عليه  Under  Utilization. وإذا ما لمسنا أرض الواقع بإحصائيات تتحدث عن نفسها فإننا نجد وبحسب ما نشره الكتاب الإحصائي السنوي الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لعام 2013 أن حجم التبادل التجاري بين السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية يتمثل في نسبة 0.7% من إجمالي قيمة الواردات السلعية للسلطنة، و نسبة 4.7% من إجمالي قيمة الصادرات السلعية (غير نفطية) وإعادة التصدير للسلطنة خلاصة القول إن هذا التبادل التجاري المتواضع بين الدولتين لا يعكس الفرصة المتاحة للسلطنة في أن تكون مركزا لوجستيا (Logistic Hub) يخدم مصلحة البلدين.

إن وجود مركزا يُعنى بترويج الاستثمارات تحت مظلة الشؤون الخارجية يعطيها طابعا دبلوماسيا مما يبعده عن الطابع التجاري الذي أُسس من أجله، كما أن وجود محطة واحدة في هذا المركز يجب أن تكون هي المحطة الأولى والأخيرة للمستثمر. فالمستثمر ليس لديه الوقت لإضاعته بين محطات حكومية متعددة فإن لم تستقطبه السلطنة سينتهي به المطاف إلى دول الجوار.ومما يلفت الانتباه وبحسب وكالة بلومبيرغ فقد ارتفع حجم التجارة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بنسبة 33% بين عام 2011 و2013، وهي الفترة التي شهدت أوج الخلاف بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. مما يعني أن الدول تصيغ سياساتها الخارجية بما يخدم مصالحها الاقتصادية مهمها كانت خلافاتها مع الدول الأخرى. إن توزع الأجندة الاستثمارية بين جهات عديدة في السلطنة يُصّعب من عملية التنسيق فيما بينها، والذي لن تسهله اللجان التي تجتمع متى ما سمح وقت أعضائها بعقد الاجتماع، مما يدفعنا لسؤال يطرح نفسه:
إذا كانت لدينا جهة لترويج الاستثمار (تحت مظلة دبلوماسية)، فمن هي الجهة المسؤولة عن معالجة وتفعيل الاستثمار ومتابعة المستثمرين، ورسم السياسات الاستثمارية، والتخطيط لاقتناص الفرص الاستثمارية؟، هناك فجوة في إدارة الاستثمار، ولا يعني بالضرورة خلق كيان إداري جديد بل إعادة ترتيب ملف الاستثمار بما يتناسب، وطموح الدبلوماسية العمانية.

أخيراً أضيف إن الالتفات إلى تنظيم الخارطة الاستثمارية للسلطنة، ووضع آليات التنفيذ من شأنه أن يضيف الكثير لمصادر التنويع الاقتصادي، وهي الأولوية التي لا يجب أن تظهر على السطح كل ما انخفض سعر النفط.

You may also like

Leave a Comment