اتفاقية التجارة الحرة FTA التي وقعتها السلطنة مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 2006 ، مكسبٌ سياسي تسعى دول كثيرة للحصول عليه والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2009. مضت ستة أعوام على تفعيل الاتفاقية، وهي مدة كفيلة بأن نقف، لتقييم ماذا فعلنا للاستفادة من هذا المكسب السياسي؟ وماذا تغير في الاقتصاد العماني منذ عام 2009 من حيث قدرته التنافسية ، ومؤشر سهولة ممارسة الاعمال؟. المتتبع لأمور الاقتصاد يدرك أننا تراجعنا 13 درجة في مؤشر التنافسية ليس لأننا لم نتقدم فحسب بل أن هناك دولا تخطتنا مغالطين انفسنا انها ظاهرة أو فقاعة.
السلطنة هي رابع دولة في الشرق الأوسط وقعت هذه الاتفاقية مع الولايات المتحدة بعد البحرين ، والأردن و المغرب. و حتى نقيّم تجربتنا مع هذه الاتفاقية دعونا ننظر الى الأرقام المحققة. حسب الاحصائيات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء و المعلومات فإن هناك انخفاضا قدره (14%) لقيمة الصادرات غير النفطية و اعادة التصدير من السلطنة إلى الولايات المتحدة الامريكية بين عامي 2012 و 2013 من 250 مليون ريال إلى 214 مليون ريال عماني على التوالي. و إذا أخذنا في الاعتبار أن إجمالي حجم التصدير للسلع غير النفطية وإعادة التصدير المقدر بـ 7 مليارات ريال عماني لعام 2013فإن نصيب الولايات المتحدة الامريكية لم يتعد نسبة 3% مقارنة بـ 43% للإمارات العربية المتحدة ، 8% للصين ، و 7% للهند.
وحتى لا أعيد ما ذكرته في مقالي “الدبلوماسية العمانية والفرص الضائعة “المنشور في نوفمبر 2014 ، والذي أشار إلى أن حجم الاستثمار بين السلطنة وإيران لا يواكب طموح الدبلوماسية العمانية، وهو ما أكده تصريح وزير التجارة و الصناعة العماني في تصريح له على هامش معرض المنتجات الإيرانية في يناير 2015 “ التجارة البينية بين البلدين أقل من مستوى الطموح”. ما الأسباب ؟ المستثمر الإيراني والامريكي والياباني يحتاج إلى بيئة استثمار جذابة و إلى محطة واحدة لا أن يكتشف أنها محطات عديدة. فها هو السيناريو يعيد نفسه مع الولايات المتحدة الأمريكية ، التي قطعا لا تبرم اتفاقية التجارة الحرة من فراغ. اسمح لي ايها القارئ الكريم أن اطلعك على ما قاله DR. Robert Kaplan المفكر الجيوسياسي صاحب كتابMonsoon والذي افرد للسلطنة فصلا من كتابه بعنوان عمان في كل مكان Oman is everywhere ، وكل كلمة فيه تنطق بمكانة السلطنة الإقليمية في التاريخ التجاري بحكم موقعها الجغرافي مستفيدة من الرياح الموسمية في المحيط الهندي. ما أود أقوله أن هناك بعدا استراتيجيا للاتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الامريكية ، فمن السهل جدا القول نعم الاتفاقية تخدم المصالح الامريكية، و هنا أقول و هل تعمل الدول لخدمة مصالح غيرها؟!. بالطبع لا لكن الولايات المتحدة تدرك تماما كما يدرك الآخرون أن هناك خارطة اقتصادية جديدة تتشكل لصالح الهند والصين ، بنمو الطبقة الوسطى مما تشكل قوة شرائية ضخمة. بالإضافة إلى الاستثمارات الصينية في الساحل الشرقي الإفريقي التي لا تقف الولايات المتحدة منه موقف المتفرج. مما يجعل السلطنة بموقعها الجغرافي الفريد على مسار هذه الخارطة الجديدة.
جميع هذه الحقائق و التحليلات الاستراتيجية ، جعلت DR. Robert Kaplan يقول أن الدقم قد وركز على كلمة (قد) تكون سنغافورة او هونج كونج القرن الحادي والعشرين بحكم موقعها من الخارطة الاقتصادية الجديدة. هذا ليس حلما بل واقع يمكن تحقيقه إلا أن احد ابسط سبل ذلك هو ان مناهج التعليم لدينا لا تتناسب مع طموحات سنغافورة و هونج كونج فتلك مناهج تعليم مبنية على تعليم ابنائها Critical Thinking الفكر الناقد غير المتلقي.
تقوم السفارة الامريكية بالسلطنة بجهد مشكور لتعريفنا بما تحتويه هذه الاتفاقية وما هي الفوائد التي ستجنيها السلطنة من هذه الاتفاقية، عبر حلقات تعريفية إلا أنها وبشكل بديهي ستعرفنا على وجهة نظرها في الاتفاقية ، فما هو دور الجانب العماني في التوعية ،و تحديد أوجه الاستفادة من الاتفاقية؟. في هذا الصدد فإن إحدى التجارب الناجحة التي يمكن الاستفادة منها هو ما تقوم به الحكومة السنغافورية حيث تعقد اجتماعا سنويا مع دائرة التجارية الامريكية لمراجعة سنوية لتقرير سنوي تعده سنغافورة تحت مسمى US Singapore FTA annual review mechanism فما هي الآلية المتبعة في السلطنة لتقييم اتفاقية FTA ؟ في ظل متغيرات اقتصادية سياسية تفرض مراجعة و تقييم دوري.
من هنا اطرح بعض التساؤلات: هل هناك خطة عمل لجعل السلطنة منطقة لإعادة التصدير للولايات المتحدة ؟ وهل هناك جهود تبذل نحو فتح مصانع لتجميع الصناعات المتقدمة تكنولوجيا التي تستهلكها الولايات المتحدة الأمريكية بحيث تستفيد الشركات الكورية و الصينية و الهندية من الإعفاء الضريبي الذي توفره السلطنة نتيجة توقيع اتفاقية التجارة الحرة؟ هل فتحت كبرى الشركات الأمريكية فروعها الاقليمية هنا في السلطنة؟ أم ذهبت إلى أمارة دبي؟ لماذا ونحن من وقعنا معها اتفاقية التجارة الحرة؟
لا يخلو الامر من عقبات بطبيعة الحال ، إلا ان هذه العقبات ستظل تراوح نفسها و الوقت يمضي دون أن نستفيد من هذه الاتفاقية ، بل ستصنفها الدول الاخرى كأحد الدروس التي ينبغي أن تتعلم منها عندما تعقد اتفاقياتها مع الولايات المتحدة الامريكية. ستتطلع السلطنة مستقبلا إلى توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة مع بلدان أخرى ، فما هي الأسس ؟ و الدروس التي تعلمناها؟
ليس لدي الحل السحري ، لكن وددت اليوم تعميق الجرح ، تمهيدا لتنظيفه التنظيف الذي يجعله يبرأ بسرعة ؟ و لدي ما يساعدنا على أن نبرأ من الجرح وليس تسكينه بحلول جزئية. إن موضوعا استراتيجيا كموضوع هذه الاتفاقية عادةً ما يُبرز من خلال Economic Intelligence Office والتي هي في بعض الدول وحدة تتبع مجلس الوزراء لمساعدته في اتخاذ القرارات الاقتصادية الاستراتيجية. هذه الوحدة هي ليست وحدة بحوث اقتصادية او وحدة للتفكيرThink Tank بل هي حل تكاملي لتقديم نظرة شمولية استراتيجية. إذ أن كلمة Intelligence من غير المنصف في حقها اختصارها في كلمة بحوث ، فهي كلمة لاتينية الاصل وهي تأتي من Intellect هو الذكاء المكتسب و منها جاءت Intellectual وهو الانسان المفكر. فالمسؤول الذي يقول أن عمان ليس بها مفكرون اقتصاديون أجحف بحق عمان و العمانيين و بحق الحكومة نفسها ، فالقيادة هي خلق قياديين فأرجو أن لا ينسب الفشل لنفسه. فهل لدينا اليوم مثل هذه الوحدة التي بإمكانها التعاون مع دوائر البحوث والدراسات في صناديقنا السيادية والبنك المركزي العماني و وحدة التفكير بديوان البلاط السلطاني، واستغلال ما بها من كوادر بشرية عمانية وغير عمانية؟ عوضا عن المكاتب الاستشارية التي لا تنقل خبرتها للعمانيين .فهذه وحدة استراتيجية شاملة تشتمل على البعد الاقتصادي الكلي وليس الجزئي ضمن إطار سياسي لتحقيق اهداف استراتيجية. وحتى نرتقي بفكرنا الاداري فهذه ليست وحدة ادارية حتى يترأسها مدير عام ، بل وحدة استراتيجية يترأسها Chief Economist كبير الاقتصاديين ، فلا يهم غدا أن تغير الوزير فهذه وحدة ثابتة ترسم خطوطا استراتيجية اقتصادية للبلاد. هذه ليست دعوة لإنشاء كيان جديد بل تنظيم ما لدينا واستغلال وتقدير للمواهب العمانية.
لا يمكن الفصل بين السياسة والاقتصاد فهما عاملان مكملان لبعضهما البعض ، ومن هذا المنطلق فإن السلطنة ينبغي أن يكون لدى تمثيلها الدبلوماسي الخارجي بُعد وإلمام اقتصادي أعمق خاصة لدى الدول التي تربطها مصالح استراتيجية اقتصادية. وذلك حتى يتسنى لهم خدمة بلدهم بما يخدم مصالحها السيادية. إن تمّكن دبلوماسيينا اقتصاديا يؤهلهم لأن يكونوا حلقة وصل مع Office Economic Intelligence ، مما يستدعي إعادة النظر في وضع آلية للاستفادة القصوى من سفارات السلطنة و مكاتبها التجارية الخارجية. فإذا كان هاجسنا اليوم هو إيجاد فرص عمل فأن التوجه الاقتصادي والتجاري يجب أن يتوج قراراتنا الاستراتيجية .

1 comment
Very intersting, thoughtfull and informative article. Enjoyed reading it. I hope the think seriously about your recommendations.
Well done.