شهد مجلس الشورى الأسبوع الماضي نقاشاً حاداً باستضافة معالي وزير التجارة والصناعة تمحور أغلبها حول أسباب التأخير في ملف التنويع الاقتصادي، واعتمادنا الكبير على النفط حيث شكل النفط في تقديرات موازنة 2015 ما يقارب 79% من إجمالي إيرادات الدولة.
وطالب أعضاء مجلس الشورى بضرورة النظر في حلول لمعالجة التعقيدات البيروقراطية، وتسهيل الإجراءات للمستثمر المحلي والأجنبي مستشهدين بتراجع ترتيب السلطنة 6 درجات في تقرير مؤشر سهولة الأعمال الصادر عن البنك الدولي 2015. إضافة إلى تراجع ترتيب التنافسية للسلطنة 13 درجة ووجودها في ذيل القائمة خليجيا لعام 2015 كما جاء في تقرير منتدى الاقتصاد العالمي (دافوس).
هناك جهود تبذل كمحاولة للخروج من رتابة البيروقراطية المنفرة للاستثمار، إلا أنه يبدو أننا نناقش التفاصيل دون النظر إلى الصورة الكُلية للأداء العام للحكومة. فقد أشبع هذان التقريران المشار إليهما نقاشا، فهناك عوامل غير اقتصادية تؤثر على الاداء الاقتصادي بشكل كبير. ولا يمكن بناء استراتيجية أو خطة شمولية للتنمية دون أن تكون لنا نظرة شمولية تشبه النظر من أعلى الطائرة العمودية Helicopter view لمعرفة ما هو ابعد من مجرد مؤشرات اقتصادية لنعي جيدا حقيقة الواقع. فالتساؤل الذي اطرحه اليوم: ما هو العائق الحقيقي وراء عدم تحقيق التنويع الاقتصادي بما يرضي طموح الرأي العام؟
تسهم الأنشطة النفطية بنسبة 45 % من اجمالي الناتج المحلي مضافا اليها 10% من الصناعات التحويلية (البتروكيماويات) مما يعني أن نسبة مساهمة الأنشطة النفطية تتعدى نسبة 55%، فما زال النفط والأنشطة المصاحبة له والمتعمدة عليه المحرك الرئيسي للاقتصاد. كما بلغت إيرادات الأنشطة غير النفطية 2.1 مليار ريال عماني في عام 2012، وانخفضت بمقدار 4% لتصل إلى 1.9 مليار ريال عماني في عام 2013.
يصدر البنك الدولي كل عامين تقرير مؤشر الحوكمة Governance Index صدر آخر تقرير في عام 2013. وتُعرف الحوكمة على أنها إدارة متسقة، وسياسات متماسكة عبر اتخاذ قرارات مسؤولة، مع ضرورة التحقق من الأداء، وعليه فإن مؤشر الحوكمة يشتمل على 6 معايير وهي:
- المحاسبة، وحرية التعبير عن الرأي.
- الاستقرار السياسي، وغياب العنف.
- كفاءة الأداء الحكومي.
- نوعية الإجراءات والقوانين.
- سيادة القانون.
- وأخيرا مدى التحكم بالفساد.
ما يهمنا في هذا الصدد هو كفاءة الأداء الحكومي، فقد رصد التقرير انخفاض كفاءة الأداء الحكومي للسلطنة منذ عام 1996 إلى 2013 من 70 نقطة إلى 60، ويكاد يكون خطاً مستقيما طوال 15 عاما مع بعض الانخفاض المتذبذب. اترك لك أيها القارئ الكريم تفسير استقامة خط مقياس الأداء. كما يُظهر التقرير أن نوعية الإجراءات والقوانين تحسنت في عام 2002 لتصل إلى 72 نقطة ثم بقيت على الوتيرة نفسها دونما تحسن يذكر فهناك أيضا خطاً مستقيما حتى تعثرت نوعية الإجراءات في عام 2011 لتصل إلى 61 نقطة.

ومن باب الدقة، والبُعد عن التأويل، فهناك تعريف محدد لمعيار كفاءة الأداء الحكومي حسب مؤشر الحوكمة العالمي يشتمل على نوعية قطاع الخدمة المدنية، ودرجة استقلاليته عن الضغوط السياسي، ونوعية وضع السياسات وكيفية تنفيذها، ومدى مصداقية الحكومة تجاه التزامها بالسياسات الموضوعة. فالحديث عن كفاءة الأداء الحكومي يعني الحديث عن منظومة متكاملة، لا نستطيع رفع كفاءة جهاز واحد من أجهزة القطاع العام دون أن يواكبه تحسن في أداء باقي الأجهزة.
ومن هنا فإن نقاش التنويع الاقتصادي دون النظر في هذه المؤشرات هو رؤية غير مكتملة. فإذا ما استطعنا اليوم تقليص البيروقراطية، والتحول الكامل إلى الحكومة الإلكترونية فإنني أقول لكم إنها وحدها لن تحقق التنويع الاقتصادي. إن الانفتاح الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات الأجنبية بلا شك يحقق مكاسب كثيرة، لكن القاعدة تقول ليس هناك مكاسب بلا ثمن. لذا يجب التطرق إلى هذا الثمن والاستعداد لهذا الانفتاح فمن السهل أن نوصد الباب. فاليوم يجب ان نقف عندما يختزل الرأي العام التعقيدات التي تحد من الأنشطة التجارية المتعلقة بالقوانين والإجراءات في الاعتبارات الأمنية. فالرأي العام لا يرى مبررا في غلق الباب، ونحن في عصر العولمة أمام ما يمكن اعتباره تهديدا. فكيف نحقق عوائد عالية من السياحة في ظل حصر التأشيرات السياحية في جنسيات يُعرف عنها أنها الأقل إنفاقا، أظن انها معادلة صعبة إن لم تكن مستحيلة.
إن الاعتبارات الأمنية أمرٌ لا خلاف على ضرورته واستمراريته، إلا أن التقدم التكنولوجي رفع من كفاءة الأجهزة الأمنية ليمّكنها من السيطرة على ثمن الانفتاح. لذلك لا يرى المتجول في شوارع سنغافورة عدداً يُذكر لأفراد الشرطة لأنها محاطة بكاميرات المراقبة ترصد كل حركة مهما كانت صغيرة او تافهة. كما أن المسافر لا يحس بأي تعقيدات في المطار السويسري على سبيل المثال في حين أن أجهزتها الأمنية لديها كافة بيناتك من أين اتيت؟ اين تقيم؟ وما هي تحركاتك؟ ناهيك عن التتبع المعروف عبر بطاقة الهاتف.
فالسؤال اليوم إلى اي مدى سيكون الانفتاح الاقتصادي؟ آخذين بالاعتبار انه لا تنويع اقتصادي بلا انفتاح، وهل عدم استعدادانا لهذا الانفتاح هو ما يجعلنا غير جادين (مترددين) نحو تنويع اقتصادي ملموس؟
فبينما نركز كثيرا على حوكمة الشركات، لا نرى الاهتمام نفسه لحوكمة الأداء العام للحكومة، ولا يبدو أنه أمر مطروح للنقاش. والمثال الحي في هذا الصدد هو أزمة المياه، أو التأخير الحاصل في مطار مسقط، وشكوى القطاع الخاص من آلية نقل الأنشطة من ميناء السلطان قابوس إلى ميناء صحار الصناعي. إن قصورا كهذا يتناول في الدول التي قطعت أشواطا متقدمة في تطبيق معايير الحوكمة عبر مكتب الاوبودسمان Ombudsman وهي كلمة من اللغة النوردية القديمة. ونظرا للاختصاصات والواجبات المتعددة التي يتولاها الأمبودسمان ولصعوبة ترجمة الكلمة فالترجمة القريبة إلى العربية تحت مسمى ديوان المظالم أو “مكتب الشكاوى” غير أن اختصاصات الأمبودسمان تتجاوز مجرد تلقي الشكاوى وبحثها.
في بريطانيا على سبيل المثال هناك مكتب في كافة الأنحاء مثل اسكتلندا، وويلز ويقدم خدماته بكافة اللغات ويمكن للمواطن أن يرفع شكواه ضد أي جهة حكومية ويسمى (محقق شكوى الخدمات العامة) ضد هيئات الخدمات العامة.
وأرجو أن لا يختلط الأمر مع مهام جهاز الرقابة العامة للدولة، الأمبودسمان عادة إما أن يتبع الرئاسة مباشرة أو يكون تحت سلطة البرلمان ويكون مستقلا عن الجهاز الإداري للدولة. مهمته تقصي الحقيقة فله من الصلاحيات على سبيل المثال التحقيق في أداء مجلس المناقصات حيث بإمكانه رفع التوصيات للبرلمان أو للرئاسة لتغيير القوانين.
أما جهاز الرقابة فهو وحدة تدقيق للتجاوزات المالية أو الإدارية.
لا يمكن الحديث اليوم عن الحوكمة وعن كفاءة الاداء الحكومي دون التطرق إلى آلية المحاسبة والتقييم. وفي هذا الصدد يحاول المواطن العماني إيجاد إجابة لتساؤل مُلّح ويكثر تكراره في مجلس الشورى: ماذا تحقق مما تم طرحه خلال الخطط الخمسية السابقة؟ وما هو تقييم الرؤية 2020؟. ومن مبدأ الاستفادة من تجارب الآخرين ،فليس من الحكمة البدء من الصفر ، وتفاديا لأخطاء دول كثيرة ، فقد أسست ماليزيا وحدة لإدارة الاداء وتقييم التنفيذ.
PEMADU The Performance Management & Delivery Unit
وهي وحدة مستقلة يرأسها وزير ومرتبطة مباشرة برئيس الوزراء كما أن تقاريرها علنية. مهمة هذه الوحدة مناقشة الخطة المنبثقة من رؤية ماليزيا لتكون ضمن مصاف الدول ذات الدخل المرتفع بحلول 2020. وتمر مهمتها بمراحل ابتداء من ورش عمل للوزراء لأخذ مرئياتهم في الخطة، ولضمان اتفاقهم على رؤية موحدة .
كما أن مخرجات نقاش الوزراء تُعرض على الجمهور ،والجامعات و مراكز الدراسات ويتم الاستماع إلى آرائهم فلم يعد الأمر فقط حوار مجتمعي تقليدي أو الإشراك عبر اجتماعات مع أشخاص يتم اختيارهم ليس على أُسس سليمة.
بعد هذه المراحل جميعا تأتي مرحلة إعداد مؤشرات قياس الأداء KPIs.
ثم تأتي مرحلة تنفيذ الخطة ،وتقوم هذه الوحدة بمتابعة التنفيذ في كل قطاع و يتم مناقشة الأداء كل ستة اشهر بحضور رئيس الوزراء ، كما يتم لقاء سنوي يجمع جميع الوزراء مع رئيس PEMADU لمناقشة مسار الخطط لتذليل العقبات و إيجاد السبل لتحسين الأداء.
وليس هذا فحسب فحتى الوحدة المعنية بإدارة الاداء و تقييم التفنيذ PEMADUتقوم شركة دولية بتقييمها هي نفسها كإثبات للمواطن، وايضا من اجل سمعة ماليزيا الدولية في مجال الحوكمة.
اخيرا يتم إبلاغ الشعب بالنتائج التي تحققت عبر إصدار تقرير سنوي لأداء كل قطاع.
سيظل نقاشنا البرلماني والشعبي يدور دون نظرة شمولية ، مع غياب تقارير تقييم الأداء. فمن غير المستغرب أن يحتد النقاش دون الحصول على إجابة واضحة مرة تلوى الأخرى مما يزيد في حجم فجوة الثقة بين المواطن والحكومة.
ملاحظة:
الارقام من الكتاب الاحصائي السنوي الصادر عن المركز الوطني للإحصاء و المعلومات.
